شيء عن الاعتقال..وطريق نضال 2


          كان الكيس أسودا.. والليلة سوداء.. وحين انطلقنا من القسم الخاص بالقرم إلى المعتقل السريّ الأوّل، قدّرت الوقت بين 12 – 15 دقيقة، كانت أغنية لعبدالمجيد عبدالله تملأ ظلمة الكيس، والجندي يأمرني بصوت عالٍ عدم التحرّك ولا تحريك الكيس. وحين وصلنا وتم إنزالي من السيارة الــ van، أُمرت أن أخلع نعليّ، أجبتهم مازحاً: هل سندخل مسجدا ما؟. صرخ أحد الجنود: لا تتكلم. وحين خلعت نعليّ، تحسست الأرض تحتي فابتسمت، وتذكرت معتقل العام الماضي (14 مايو 2011)، وأدركت أن المعتقل هو نفسه. وحين اقتادوني لمكان ما ونزعوا عني الكيس الأسود، وجدتني داخل غرفة ضيّقة (طولها 3م،وعرضها 2م)، أرضيتها جرداء وجدرانها صفراء،وبها جهاز تكييف طن ونصف الطن، ومثبت على سقفها مصباح شديد الإضاءة، لا ينطفيء أبدا! وعلى يساري فراش ومخدة.

          أمرني حينها أحد الجنود بتغيير ملابسي، ووضع “الأفرول الأزرق” بجانبي، الضغط على نقطة الجرس، حدث كل شيء هكذا.. اعتقال من “second cup“،القسم الخاص.. ودون أيّة إجراءات ولا تحقيق.. ثم مصادرة أجهزتي النقالة وجهاز اللاب توب!،فالكيس الأسود..فالسيارة الفان..فالمعتقل السريّ. وحين عاد الجنديّ المقنع برفقة اثنين آخرين مقنعين، تم تقييد يديّ مجددا ثم وضع الكيس الأسود على وجهي،ونقلي لغرفة أخرى.. وفي الغرفة الأخرى وبنفس الآلية.. وجهي للجدار..ينزعون الأصفاد..ثمّ الكيس.. بعدها أمروني للالتفات لالتقاط الصورة!!

          المعتقل السريّ الأوّل:

في معتقلهم السريّ الأول، الذي قضيت فيه 11 يوما (8 – 18/6/2012) كانت الغرف (3*2)،لا تهوية بها وبابها حديديّ ضيّق ليس به سوى عين سحرية لا تعرف متى يراقبوك منها! الأرض من تحت قدمي مفروشة بالموكيت من تلك النوعية التي تُفرش في الملاعب المعشّبة، ولكن كان لونها أسود!ودورات المياه ببابين، كل باب فيه مكانين لقضاء الحاجة ومكان للاستحمام! أمّا القسم الآخر من المعتقل،وهو مكان التحقيق – الفاصل بين غًرف الاحتجاز ومكاتب التحقيق مساحة مفتوحة وغير مغلقة – وهو نفس القم الذي تتواجد فيه غرفة للفحص الطبي، أمّا مكاتب التحقيق التي تناوبوا الجنود في اقتيادي إليها كانت ثلاث، وجميعها بنفس المواصفات: جها تكييف مركزي مسوّر بالحديد،يعلوه 3 كشافات، وطاولة عسركية، والكرسي الذي كنت أجلس عليه –المخصص للمتهمين- مثبّت بالأرضية، ومثبت على سقف كل مكتب كاميرا لا تكاد تبين!! وأرضية كل مكتب مفروشة بموكيت رصاصي، ماعدا غرفة الفحص الطبي.ولا تتوقف الأغاني فيه أبدا، بين أغاني وطنية، وشريط قديم لميحد حمد “الدار من عقبهم ماهي بمرغوبة” وجلسة لمحمد عبده “بنت النور والأماكن إلخ”، وكان مكبر الصوت داخل الغرفة دائما ما يكون مفتوحا، في كلّ الأوقات،حتى أوقات الصلاة والنوم!!

المعتقل السريّ الثانيّ:

          في معتقلهم السريّ الثاني،والذي قضيت فيه 19 يوما (19/6 – 7/7/2012)، كانت غرف الاحتجاز به أوسع،وحتى معاملة الجنود المقنعين لي كانت أفضل، وغرف الاحتجاز أكبر مساحة (3.5*3.5)تقريبا،وباب الغرفة به نافذة تفتح وقت توزيع الأكل أو تسليم أغراض ما، ولم يكن في الباب عين سحريّة،ولكن كان به مساحة دائرية صغيرة تتيح للجندي المراقب النظر من خلالها ويمكنك معرفة ذلك. وغرف التحقيق كانت أكثر حداثة في التهيئة –بعضها على شاكلة غرف التحقيق التي نراها في الأفلام الأميركية بها فاصل زجاجي عاكس وسماعات- وكاميرا مثبّتة في المكان المخصص لصندوق الطوارئ، وثلاثة كشافات أكبر حجما من المعتقل السابقة، والتكييف كان أكثر تنظيما وتوزيعا وأسهل في التحكم –المعتقل السابق يضعوك في مكتب التحقيق ويزيدون من درجة التبريد لفترة تزيد عن الساعة والساعتين أحيانا-، الذي تميّز فيه هذا المعتقل عن السابق كذلك، أنّه كان يسمح لنا في التهوية، وذلك بأخذنا لمكان خلفي، سقفه مفتوح ولكنه مسيّج، كل يوم أقضي فيه فترة لا تزيد عن الـ15 دقيقة. أستمتع فيه بضوء الشمس وصوت العصافير.وكذلك الأغاني كانت لا تتوقف، ولكن يغلب صوت القرآن الكريم والأناشيد الدينية على الأغاني. أمّا دورات المياه فكانت أكثر نظافة عن السابقة، ومقسّمة بطريقة أكثر تنظيما –أربع دورات مياه كل دورة مياه بها حمّام ومكان للاستحمام- وأحدها مصنوع بالطريقة الإفرنجية، وعلى باب كل دورة مياه مساحة دائرية تتيح للجنود مراقبتنا حال أننا تأخرنا،وهو الأمر الذي أثار غضبنا في كثير من الأحيان حيث يصادف وقت استحمامنا!!!

          المعتقل الثالث (مركز الإيواء بسجن سمائل المركزي):

          المعتقل الذي قضيت فيه فترة 3 أسابيع،بعد نقلنا من معتقلات الأمن الداخلي (8-31/7/2012)، تمّ نقلي في سيارة تابعة للأمن الداخلي ووضع كيس أسود طوال فترة الطريق –ساعة تقريبا- وتم اقتيادي من السيارة للعنبر 2 في الجناح أ في المجمع 1 بمركز الإيواء. وكانت الزنزانة مساحتها تقريبا الطول * العرض (13*5)،بابها الحديد به نافذة مغلقة دائما، وتتكون من 4 دورات مياه عفنة، و3 أماكن استحمام اثنان منهما عاطلان. وأربع أجهزة تكييف. كنت وحيدا في ذلك العنبر، لفترة 24 يوما كاملة، ولم يكن مسموحا لنا الخروج من العنبر طوال هذه الفترة!!!!

          المعتقل الرابع (مركز شرطة الخوض)

          يوم 1/8/2012 تمّ أخذنا إلى مجمع المحاكم، من أجل تمديد حبسنا عن طريق قاضي التمديد والذي كان هو نفسه رئيس المحكمة الابتدائية (بدر الراشدي)، الذي مدّد لنا الحبس لأسبوع، بعدها تقرّر توزيعنا جميعا على مراكز الشرطة، وتم اقتيادي لمركز شرطة الخوض، وهذه كانت المرّة الأولى بعد 54 اعتقال، أختلط فيها بالبشر والناس!

 

 

          المعتقل الخامس (مركز الإيواء مجددا):

          يوم 8/8/2012، تم اقتيادي من مركز الخوض لمجمع المحاكم، ويومها كان الجلسة الأولى للمحاكمة، علمت فيما بعد أن القاضي فيها اسمه (يوسف الفليتي)،ولم يكن المحامي حاضرا في الجلسة ولا أحدا من أفراد عائلتي! وقرّر القاضي تمديد حبسي حتى يوم 26/8/2012. بعدها تم وضعي في أحد قاعات المحكمة، قبل أن يتم اعتقالي لأحد الأقفاص التي يتم حجز المتهمين فيها قبل نقله لأي معتقل، وفي القفص، ولأوّل مرة منذ 62 يوم، ألتقي بالأصدقاء الــ12 المتهمين بالإعابة (إسماعيل البدواوي وإسحاق الأغبري وخلفان البداواوي وعلي الحجي وحسن الرقيشي ومختار الهنائي ومحمد الفزاري ومحمود الجامودي وسلطان السعدي وحاتم المالكي) بالإضافة إلى الصديق أسامة آل توّيه (قضية إعابة)، والأصدقاء (سعيد الهاشمي وناصر الغيلاني وعبدالله الغيلاني) المعتقلين في قضية التجمهر والذين قرّروا الحضور يومها والتضامن معنا، وقد شاهدنا في إحدى سيارات الادعاء العام باسمة الراجحي وبسمة الكيومي اللتين تضامنتا معنا كذلك.

          وتم نقلنا يومها للعنبر 5 في الجناح ب بالمجمع 2 بمركز الإيواء بسجن سمائل المركزيّ.والتي قضيت فيها 32 يوما!

 

يـــــــــــــُتـــــــــــــــــــــبع

         

شيء عن الاعتقال.. وطريق نضال! 1


هل كان كل شيء مثالي؟

هل هي سلطة المؤسسات أم سلطة الفرد..أم سلطة الأجهزة الأمنية؟؟

94 يوما من التغييب.. 54 يوما منها في سجن انفرادي متنقل بين المعتقليين السريين للأمن الداخلي.. وسجن سمائل المركزي، هل مرّت الأيام سريعا.. أم نحن من استسلمنا أم هم من تعبوا؟؟

لا أستطيع أن أتخيل فعلا الوضع الذي قد أصبحنا اليوم عليه، فلم أتخيل في يوم أننا في عمان سنشهد بكتّاب وناشطين يساقون من قبل الأجهزة الأمنية لمعاقبتهم على كتاباتهم أو أنشطتهم الحقوقية؟؟!! وأن يتم تلفيق تهما عدة كالتحريض والإعابة والنيل من مكانة الدولة فقط من أجل إقصاءهم.. وأن تعمل السلطات الأمنية قبل ذلك على تلفيق تهمة “قلب نظام الحكم” بحقهم… شباب عُزّل.. لا علاقة لهم لا بأجهزة عسكرية ولا أمنية ولا منظمات ولا تجمعات.. يتم إعداد مخطط فيه من تهمة قلب نظام الحكم ليتم الحكم عليهم بعد ذلك بما يُتيتح للأجهزة الأمنية التخلص منهم بيسر وهدوء!

لم أستطع أن أتخيل في يوم ما، أن تهتز البلاد من أقصاها لأقصاها وأن تتزلزل أجهزتها الأمنية بكل أفرادها، لأجل برنامج “واتس أب” و ” فيس بوك وتويتر” ، ثم يترافق مع ذلك كلّه حملة تشهير لا طبيعية، تُصوّر فيها هؤلاء المعتقلين على أنهم أصحاب فتن ومشاريع فوضى وزعزعة أمن البلاد، وأنهم تجاوزوا الخطوط الحمراء في التمادي والتطاول على السلطان!!! تطاول يستوجب الحزم من قبل الأجهزة الامنية، الأمر الذي انبرى له سابقا وقبل حملة الاعتقالات مجموعة من الكتاب الإلكترونيين وإعلاميين وأشباه إعلاميين وأشباه مثقفين ومثقفين، الكتّاب هم هؤلاء أنفسهم الذين تخلوا بعد ذلك عن الحديث في الأمر، بعدما شهدوا تطاول الأجهزة الأمنية وتجاوزها لكافة حقوق المواطن والإنسان.. وتجاوزها لأخلاقيات المجتمع نفسه الذي أصدر الإدعاء العام فيه بيانا في 4 يونيو يتحدث عن ضرورة معاقبة المشهرين بالسلطان..لأنها ليس من عادات وخصوصية المجتمع العماني، الخصوصية التي سقطت حينما تم تداول ونشر صورنا في مختلف الصحف العمانية وخاصة “عمان و الوطن و الشبيبة” بالإضافة لوكالة الأنباء والتلفزيون والإذاعة… لتسقط مع هذه الحركة كافة الحجج التي تتذرع بها الأجهزة الأمنية حول أخلاقيات المجتمع وخصوصيته!!

لم ينته شيئا بعد..ولأكن أكثر صراحة، سجننا هو البداية لمستقبل غامض حتى بالنسبة لي، ولكن بالتأكيد واضح فيما يتعلق بالفعل ورد الفعل، وتصفية الحسابات كذلك. وأقصد بذلك، هو ثبات العديد من المتهمين واقتناعهم بأهمية الطريق الإصلاحي الذي يمشون فيه، وأن هذا الوطن هو وطن الجميع، وليس فقط فرد واحد ولا رأي واحد، وأن التقديس لرأس السلطة السياسية أو الدينية إلخ…، لا بد أن يسقط يوما ما، وأن الحياة المدنية لا بد وأن تطغى، ويعيش المواطن وفق أنظمة وقوانين تنظم حياته وتُعرفه بحقوقه قبل واجباته، أنظمة يكون فيها المواطن أساس أي عملية بناء وتنمية وإصلاح وتغيير، لا الشكل والحجر!

لم ينته شيئا بعد.. فالحروف لا تموت.. والأفكار لا تندثر..وإن اندثرنا!

اليوم.. اتضح لي جليّا، أن العملية الإصلاحية أمامها مشوار طويل وشاق، وأن االأجهزة الأمنية  -التي لا أشك في وطنيتها وحرصها على أمن البلاد واستقراره- في عقليتها التي تدير بها الأمور، تعمل على سحب البلاد شيئا فشيئا في مستنقع خطير، مستنقع فصل الحكومة والشعب! حيث يكون عمل الحكومة مقدس لا خطأ فيه، ورأي الشعب مجرد محاولة يائسة للمشاركة في صنع القرار!

لم ينته شيء البتة،،، الإصلاح آت بالتأكيد.. شئنا أم أبينا.. لأن ذلك فطرة كونية وسنة من سنن الحياة.. خلقها الله.. الشعوب التي لا تتغير، إما أن تتغير وإلا تندثر ويستبدلها الله بأخرى!

لم ينته شيء.. أمامنا الطريق طويل ومتعب ومظلم وموحل وشائك.. ولكننا ماضون.. لا السجون ستردعنا.. ولا تضييق والتهميش سيحبطنا..

الأخلاق في احترام الشعوب، لا في تقديس العروش!


       صورة

  حينما تُهان كرامة الشعوب، ويتم الاستهانة بمطالبها، وحينما يتم تغييبها عن القرار السياسي، والتلاعب بأرزاق أفرادها، والعمل دائما على انتهاك حريّاتهم،والتشهير بهم، والتسلي بتناقل خاصياتهم، هل تعتقدون حقا أن هذا الشعب سيأبه لاحترام رأس السلطة السياسية أو قيادييها أو أي أطرافها؟

          لا بد أن يتم الإقرار، إلى عدم تأييدنا لأي طرح فكري أو سياسي، ينال من مقام السلطان، وأننا في خضم صراعنا الفكري المستمر، مع العقلية السياسية للدولة والحكومة التي ترفض الإقرار بوجود الخطأ، وتعالج الخطأ بخطأ، وتتعمد إهمال أراء الشباب، وتعمل على إقصاءهم من القرار السياسي والتلاعب بالوقت واستمراره لأجل أن تجد لها الفرصة في فرض سيطرتها على كافة التحركات الاحتجاجية والمعارضة، عبر توظيف عيونها هنا وهناك وعبر تجنيد الشباب لأجل نقل المعلومة والحركة لهم، وعبر توظيف كتّاب السلطة المغاليين دائما وأبدا في الوطنية التي يرونها حقا عليهم وحدهم، ورداءً لا يتناسب إلا مع هيكلية فكرهم وعملهم. إلا أننا لا نرضى بالمقابل أن نجد مقالا يسخر فيه من السلطان وينال منه في حركة أو شكل أو عمل! ولأننا نؤمن، أن في انتقادنا فإننا نطرح دائما البديل للآخرين، وهذا البديل في الفكر والعمل، يتطلب علينا إظهار الجانب الأخلاقي قبل الفكري، لا لشيء، فقط كي نحافظ على الفكرة خالية من أيّ تداخل عاطفيّ أو أخلاقي يضيع المسار والطريق إليها.

          ولكن، وحين ننظر للجهات الرسمية، وخاصة السلطات الأمنية ممثلة في الإدعاء العام، والذي صدر عنه بيانا في الرابع من يونيو 2012، يهدد ويتوّعد كل من يسيء للأشخاص عبر الانترنت، وكل من يُحرّض!! وعبر النصّ التالي الذي تضمنه البيان :” ومع تنامي اطلاق الشائعات والتحريض على القيام بتصرفات سلبية تضر في نهاية المطاف بالوطن والمواطنين والمصالح الوطنية.” كنت أتمنى على الإدعاء العام، أن يُوضح لنا معنى “التصرفات السلبية”، وما هي “المصالح الوطنية”؟ وكنت أتمنى من الإدعاء العام، أن يتحدث عن معنى التحريض، وهل التحريض هو يعني في مضمونه، قيام أطرافا أو مجموعات، في المطالبة بحقوقهم المسلوبة، وفي التظاهر والدعوة إلى التظاهر، بعدما يأسوا من طرق أبواب مسؤولي الدولة. فهل اتبع الإدعاء العام أيّة وسيلة أو طريقة، لتتبع كافة المسؤولين، الذين تسببوا إلى ما أصبحت عليه عمان اليوم، والذين من جانب آخر وأكثر تأثيرا، هم المسبب الأساسي والمحرضين إلى قيام كل هذه التحركات الاحتجاجية عبر أخطاءهم السابقة والمتكررة،وعبر امتناعهم عن الاعتراف بهذا الخطأ بالتالي عدم الرغبة إلى معالجته!.

          وإن كان الإدعاء العام، في قوانينه يعمل استنادا على الشريعة وأخلاقها كما أوضخ في بيانه: “ خروجا على التعاليم الدينية الرفيعة والاعراف العريقة والاخلاق النبيلة التى تأصلت في المجتمع العماني وتربى عليها ابناؤه فانها تشكل وقائع تتنافى مع النظام العام والاداب.” فما قوله في قضية اختطافه لــ “إسماعيل وحبيبة ويعقوب” متجاوزا بفعلته تلك، المادة 24 من نظام الدولة الأساسي، وامتناعه كذلك عن التحقيق معهم أو توجيه التهم لهم أو السماح لأهلهم وأقاربهم بالإطمئنان عليهم، وتمنعه حتى عن إصدار بيان بحقهم! وقيامه في اللحظات الأخيرة من إفراجه عنهم، في تمديده لحبس إسماعيل لأسبوع آخر، دون توضيح الأسباب لذلك!!

          وسؤالي لأخوتنا وأصدقائنا في الإدعاء العام، ماذا عن المادة 64 من النظام الأساسي للدولة، هل حقا يسعى إلى تطبيقها؟. وهل يسعى الإدعاء العام إلى أن يحفظ حقوق المواطنين أم أنه سيعمل على حفظ حقوق المسؤولين، والتبرع لهم بملاحقة كلّ من يسيء إليهم، في حين يتجاهل كافة الانتقادات الموجهة لأعمالهم!.وماذا فعلوا في قضية شهيد تحركات فبراير 2011 عبدالله الغملاسي، أين وصلوا في تحقيقاتهم، ومن المسؤول؟

          كما لا ننسى، أن البيان في غير أمر الشتيمة والقذف أتى عاما،غير محدد للتفاصيل، ولا يُسمي الأشياء،وهنا الخطورة! حيث أن البيانات العامة، التي لا تذكر أمثلة أو لا تحدد التهم، من السهل توظيفها في أيّ تهمة كانت، ومن السهل إلباسها أيّ ثوب! وهنا تكمن خطورة أخرى، شبيه بالقانون الجزائي الذي يتيح للسلطات الأمنية حبس المتهم 14 يوما على ذمة التحقيق!

          ليست مشكلة المجتمع مع المصطلحات،ولا مع الشتيمة، ولا مع المقالات والمواقع الاجتماعية، بل هذه مشكلة الحكومة ومسؤوليها، الذين باتوا لا يتقبلون نقدا لعملهم، ويخافون من أيّ مقال يفضح أخطاءهم ويُسلط الضوء على إهمالهم، بالتالي، ليس الإصلاح في ملاحقة الكتّاب والمنتقدين، بل في علاج الخلل في الأداء الحكومي، والجرأة في الاعتراف به.

 

الصورة: هلال البادي – المسيرة الخضراء2 – 18فبراير 2011

المثقف البطيخي والمنفوخي..وارفعني واكتبلك!


         

ما أسهله اليوم، أن تجلس خلف لوحة مفاتيح جهازك، أو تمسك بقلمك،فتكتب وتصفّ الكلمات، فتصبح بقدرة قادر، كاتبا! وما أسهلها مهنة في الكتابة، تلك التي تظهر لأجل حبّ الوطن، ودرء الفتن عنه! وما أسهلها كتابة تلك التي تأتي موسومة على أحداث ما بعينها!

          ولعلّ أشدّ ما وصلني الفترة الأخيرة سخرية واستهتارا، هو تناشر وتناقل مجموعة من المقالات، أغلبها تم تذييلها بــ : كاتب مجهول. وبقيتها، أتحفتنا بها بعض صحفنا اليومية، التي يبدو للأسف، أن مهنية الصحافة تحتاج لقرون وليس فقط لسنوات كي تصلها، وكي تُدرك معناها، مقالات فيها نوع من ما يُسمى بالفزعة! يتهجّم فيها الكاتب على أيّ مظاهرة وتحرك احتجاجيّ. ويدعو فيها السلطات كافة إلى توخي الحذر من هؤلاء أصحاب الفتن والذين يهدفون إلى بثّ الفرقة بين الصفوف! بل تجاوز بعضهم ذلك، وأخذ يدعوا إلى معاقبة الناشطين،والاقتصاص من أيّ كاتب يتعدى على ذات السلطان،وردعه وعقابه! ومنهم من أخذت به نفسه الآثمة إلى اتهام ناشطين تم اختطافهم من قبل المؤسسات الأمنية (إسماعل وحبيبة ويعقوب)، واتهامهم بالعمالة والتحريض!

          وأسئلتي لهؤلاء الوطنيين جدا كالتالي:

ذلك المسؤول، طالت أحلامه وتطاولت، فوضع يده على أراضي الوطن دون وجه حقّ، ولم يحاسب! فماذا فعلتم أنتم في ذلك؟

وذلك المسؤول،أمر الجند والعسكر إلى الزحف بدباباتهم وآلياتهم العسكرية الثقيلة فجر 26 فبراير إلى صحار،تحديدا دوّار الكرة الأرضية، ممّا فجر الأوضاع إلى ما باتت تُعرف بعد ذلك بأحداث 26 فبراير 2011، ولم يتم محاسبته، رغم وجود إطلاق نار التي خلّفت شهيدا وعددا من الجرحى! فماذا كتبتم في أمره؟

وذلك المسؤول،تلاعب بالأوراق وأخفى الدراسات وبارك إنشاء ميناء صحار،ومحطتها البتروكيماوية على أرض غضفان، فتضرر منها المواطن بأمراض مزمنة خطيرة بسبب انبعاثاتها السامّة،فهل تحريتم وقمتم بدوركم الوطنيّ في الكتابة عن الأمر وفضح مرتكبه؟

وذلك المسؤول،أضاع غاز البلاد في صفقة رخيصة مهينة،دون الاستشارة ودون أن يعود لا لمجلس الدولة ولا لمجلس الشورى ولا لأهل الحلّ والعقد من أهل البطانة، فهل كتبتم في الثورة المنهوبة حرفاً؟

وذلك المسؤول كان حسابه البنكيّ، لا يتجاوز الأربعة أرقام قبل المنصب، وبعدها أصبح من أهل الملايين المتكدسة والمشاريع الواسعة،دون أن تسأله الحكومة الموّقرة من أين لك هذا! فهل ثارت حفيظتكم لأجل ثروات البلاد المنهوبة؟

أيها الإعلامي الصحفي..ويا أيها الكاتب الإلكتروني، ويا شمعة ملاّك الدولة في سواد أفعالهم، لماذا لم تثور ثائرتكم لأجل عمّال النفط، الذين يكدحون ليل نهار، من أجل تأمين نفط لك ولغيرك من المواطنين تقوم بتعبئته بسهولة من أيّة محطة،ولأجل تكسيب بلادك ما يحفظ موازين اقتصادها، ورغم ذلك، لا راتبا يسدّ كفاف أحلامهم رغم ضخامة أفعالهم! ولا تأمينا صحيا يضمن لهم غدر الزمن وتقلباته حين وعكة صحية! ولا علاوة خطر تعوّضه أثر جرح أو ألم أو إصابة حين عمله، ولا تأمين على حياته! ولا إجازاتهم كغيرهم من باقي المواطنين، ولا ساعات عملهم لها علاقة بالإنسانية، فلماذا لم تنتفضوا لهكذا ظلم؟ أما أنهم لا يمكلون من المال والمناصب ما يُرضي شهواتكم في التملّق ولعق أحذية المسؤولين؟

          أيها الإعلامي الصحفي والكاتب الإلكتروني والغيور والوطني المجهول، لماذا لم تثر ثائرتك، لشاب خرج من بيته لا بيسة تطعمه ولا ريالا تؤمن له كفاف يومه، وعاد إلى أهله مفقوء العين!!

          فأي حبّ للوطن هذا الذي إذا انتقد فيه المسؤول، أو انتقد عمل السلطان، ثاروا وهاجوا، في حين أنّ الوطن سليب مهان ينزف ولا خوف عليه أو له! أيّهما الأهم المسؤول أم الوطن!

          بئس القلم إذا كتب، والحبر إذا نزف، والرأي إذا تم الجهر به، ولم يتناول في طيّاته سوى الخوف على المسؤول الفلاني والمنص الفلاني والكرسي الفلانيّ، وتحديد مواصفات الوطن على شاكلة ذلك المسؤول، وطزّ في الوطن والمواطن!!

          أين هم هؤلاء الكتّاب من كل هذه الأخطاء؟

          وهل كتبوا في يوم مقالا يشيرون فيه على الدولة لبناء فكر أو علاج خطأ أو إصلاح نظام؟

          أليس هؤلاء الكتّاب هم أنفسهم، من هاجم المسيرة الخضراء واتهموها بكافة الوسائل، ولحظة استلام السلطان لوثيقتها، هللوا ومدحوا وأثنوا..!!!!

          أليس هؤلاء الكتّاب هم أنفسهم، من شكك في الاعتصامات والمظاهرات بعد 26 فبراير، وخوّنوا وشككوا وشتموا، وحين أصدر السلطان –بارك الله لنا فيه- أوامر للإصلاحات، خرجوا وباركوا وأثنوا، ثم سرعان ما انقلبوا حين ازداد الوضع صعوبة!!!

          فبأيّ وجه هم يتحدثون إلينا؟

          وبأي صوت هم يخاطبوننا؟

          أمات الحياء فيهم؟ أم ماتت النخوة؟ أم أنها قلوب من لا يخشون الله ولا يتحدثون بكلمة حق مطلقا، وإنما يسعون خلف المناصب وتملّق المسؤولين؟

          أيّهم أخطر على الوطن، الذي ينادي للإصلاح ويعمل على التذكير بأخطاء الوطن، ويسعى جاهدا إلى فضح كافة أشكال الفساد… أم الذي يمدح فلان ويكتب لفلان ويتستر على فلان، ومن ثم يُحرّض على الناشطين بحجة “حبّ” الوطن ودرء الفتنة!!

فأي عادة إسلام هي، أهذا ما أمرنا الله به وعلّمنا رسولنا الكريم!!

وأين أطهار البلاد وأصلحهم وأهل الغيرة والنخوة عن هكذا تلفيق وتدليس وتشهير!!

أم أنّ النخوة والمروءة لصالح القويّ وعلى الضعيف،، أهذا ما أخذتموه من تراثكم وحضارتكم؟

          كان الأولى، للذين ينادون بالكلإّ عن “تشويه صروة السلطان” والذين ينادون للعمل وترك انتقاد الحكومة، أن ينظروا إلى تصريحات الحكومة في فبراير ومارس 2011،ومراقبة أسس تطبيقها، هل هناك حلولا جذرية للتضخم الاقتصادي واستغلال السوق،هل هناك حلولا عملية للمضربين ع العمل،هل هناك خطة لزيادة الرواتب،هل هناك خطةللقروض البنكية وتخفيض فوائدها كأضعف الإيمان.. هل هناك دستورية للبلاد..!ولكن، يبدو أن الأمر لا يتعدى فرد العضلات الوطنية وتقزيم الناس وتفصيلهم !

         

 

لا تشوهوا صورة السلطان!


صورة

          يُقال، أن الأقوال مهما تكاثرت،والروايات مهما تعددت، إلا أن الفعل وحده قادر على القول الفصل الحسم، في أيّ أمر سواء أكان يعني أكثر خلق الله سلطة وهيبة في الأرض، أم كان يُعنى به أحقر خلق الله وأفقرهم وأخباهم ذكراً، لأن العمل هو نتيجة الفكر والتخطيط، وغير ذلك لا يعنينا.

          وحين يتم تناول سيرة شخص ما أو الحديث حول عمله،لا بدّ لنا إن تعذر علينا تحرّي الصدق كما هو معلوم لدينا، أن نراقب كافة أعماله، ونحكم على أساسها،لا أن نستمع للمرجفين وضُعاف القلوب والبائسين،الذين إما أنهم حاقدون حاسدون، أو أنهم منافقون متملقون! كي نقف على رأيّ متزن، يستند في محتواه على أدلة يُشهد لها لا عليها!.

          وفي قضية اختطاف (إسماعيل المقبالي وحبيبة الهنائي ويعقوب الخروصي)، تضاربت الكثير من الأقوال وتعددت الروايات، وكان الأكثرها انتشارا، هو اتهامهم بالتحريض ضد الدولة، وتشويه صورتها للخارج، وتشويه صورة عمان وقائدها السلطان!! وحين نظرت إلى عمل كل فرد منهم، وجدتُ، أنه فيما يتعلق بيعقوب وإسماعيل، فلم تتعدى أعمالهم المشاركة في الاعتصامات والمظاهرات منذ فبراير 2011، مع الحملة الرائعة والجميلة التي قادها إسماعيل المقبالي وبادر بها، وهي حملة الشام تستغيث، لنجدة منكوبي ضحايا الإشكال الأمني والتزعزع والمظاهرات التي تشهدها سوريا منذ مارس 2011.

          أما حبيبة الهنائي، فكانت أعمالها تسبقها دائما، فرغم أنها إمرأة كانت في المجال الرياضي ونشطت فيه بشدّة، وكانت أحد أبرز أنشطتها الرياضية هي ما فعلته من مساندة للمنتخب في خليجي 19،وتخصيص صفحة متابعة يومية عبر جريدة الزمن، تُغطي فيه كافة أخبار المنتخب والبطولة. وكذلك، هي صاحبة السلسلة البحثية الشهيرة “أنين الجدران” والتي ساهمت إلى إظهار الوجه الآخر من المجتمع، أو المخفيّ. وساهمت أبحاثها هذه إلى حلّ الكثير من المشاكل للأسر التي تطرقت حبيبة في قضاياها مثل “غضفان” أو المرضى والمعاقين والفقراء المتعسرين! وفي الحقيقة، لم أجد مسؤولا واحدا، أو حتى “مطبلا” واحد من كتّاب السلطة ومريديها، فعل ما فعلته حبيبة الهنائي، والحالات التي كتبت عنها وبحثت فيها وقدمتها للجهات المختصة في الدولة، تشهد لها بذلك. وهذا ما يُثبته العمل ويحلّ مكان القول!.

          وكل هؤلا الأشخاص، خاصة إسماعيل وحبيبة، تعرفت بهم بعد أحداث فبراير 2011الشهيرة، ولم أرى منهم شائبة ولم أُشكك مطلقا في أخلاقهم أو غاياتهم.

          ولعل في الفريق حقوق الإنسان،الذي بادرت حبيبة الهنائي ومجموعة من الشباب هم إسماعيل المقبالي وبدر الجابري ومختار الهنائي، إلى إنشاءه، إنما كان هو نتيجة شيئين: تخاذل لجنة حقوق الإنسان الوطنية عن نصرة قضايا المجتمع والحريّات في الدولة، ومطالباتنا المتكررة إلى ضرورة وجود حراك مدنيّ موازي للحراك المؤسساتي. وهذا ما حدث، ولعل الكل يتذكر “فريق نجاة” المختص بأمور الطقس الذي أنشأته حبيبة مع مجموعة من الشباب كذلك، والذين هدفوا إلى توعية المجتمع حول الطقس. وهي نفسها حبيبة التي أسهمت في العديد من الأعمال الخيرية في المجتمع، كان آخرها مبادرة القراءة للجميع،والتي نفذتها مع مركز تنمية مهارات القراءة والكتابة.

فهل بعد كلّ هذا نقول أنهم محرضون ومدسوسون؟

وهل من من أخلاق المسلم، أن يتهم أخيه المسلم بما لا يملك عليه دليلا؟

أليس الله سبحانه وتعالى من قال في كتابه الكريم: “…إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا”، فهل تبيّنا قبل أن نطلق الاتهامات ونسوّغها ونرّوّج لها.

أليس رسولنا الكريم من قال:كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه. ونحن نسمح لأنفسنا أن نهين من كرامتهم ونستبيح دمائهم، بحجة حبّ الوطن والوطنية؟؟

ولنأتي إلى قضية تشويه سمعة السلطان، صحيح أننا كافة معترضون على أيّة إساءة في القول إلى شخص السلطان، ولكن هل انتقاد السلطان حرام؟

في شرع من، حُرم انتقاد السلاطين، وهل الله خلق “الملوك والسلاطين” خلفاء له في الأرض يحكمون باسمه فلا يناقشهم في حكمهم أحدا ولا يجادَلون؟

وأعود لمبتدأ المقال، وهي الحكم على العمل والترفع عن القول، أليست عمان يحكمها السلطان، بالتالي أي خلل اقتصاديّ أو سياسي أو تعليمي أو صحيّ إلخ، يتحمل نتيجته من؟ أليس الذي تولّى زمام الأمور؟ فما بالنا نعترف بوجود الخطأ ولا نعترف بالمسؤول عنه؟

ألم يقل الرسول الكريم :كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته؟؟؟. فمن أين تبتدأ المسؤولية وأين تنتهي؟وكيف تكون المحاسبة؟

إن كنّا نعتبر في الرسول الكريم، فتلك سيرته،وإن كنّا نأخذ من صحابته الخلفاء الراشدين من بعده، فتلك سيرهم،وكلّهم قدموا لنا في سيرة الحكم والشورى والشعب والقانون والاقتصاد أمثلة لا زلنا لليوم نذكرها ونفتخر بها ونُثمنها، فما بال هذه الأمثلة لا تُغادر كتب التاريخ وتظلّ حبيسة ما كان دائما؟

ولماذا الذين يُشهرون الآن بحبيبة وإسماعيل ويعقوب، لا يتحدثون عن تجاوز القانون، في اختطافهم، والذي ينص عليه دستور الدولة في مادته 24: يبلغ كل من يقبض عليه أو يعتـقل بأسباب القبض عليه أو اعتـقاله فورا، ويكون له حق الاتصال بمن يرى ابلاغه بما وقع أو الاستعانة به على الوجه الذي ينظمه القانون ، ويجب اعلانه على وجـه السرعة بـالتهم الموجهة إليه. وله ولمن ينوب عنه التظلم أمام القضاء من الاجراء الذي قيد حـريته الشخصـية، وينظـم القانـون حق التظلم بما يكفل الفصل فيـه خلال مدة محددة، وإلا وجـب الافراج حتما

تسقط الأقنعة دائما،ويتذكر القليل من الناس والكثير الكثير ينسى، ولكن الله هل ينسى؟

للآن،أنظر إلى الهجمات والمقالات المنظمة من أولئك الذين يدعون حبّ الوطن والقائد، ولا يتحدثون عن الحق والحقوق! وكأن المرء اذا انتقد الحاكم أو السلطان فقد ارتكب جرما وذنبا لا غفران له؟ فما الهدف من هذه الهجمات، وما الغاية من هذا التشهير والاتهام، إلا فساد النفوس التي تترفع عن الحق، وتخاطب عواطف الناس لا عقولهم وتستنهضهم بحجة أن هناك من هم أصحاب فتن!

الرسالة: نحن مستمرون، لن نتوقف ولن يُوقفنا شيء، إلا الموت. فافعلوا ما بدا لكم، ولا تنسوا أن الحياة أقدارها بيد خالقها، لا السلطان ولا أنتم، والدنيا دائمة التغيّر والدوران، فما أراد الله له  أن يخفى اليوم، سيُظهره ويعلو به غدا! ولا تنسوا قول رسولنا الكريم: “….. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا يشئ قد كتبه الله عليك ؛رفعت الأقلام وجفت الصحف”

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم،وخسئتم يا مدعي الوطنية ومستبيحي أعراض الناس ودمائهم!


وإذا كبر فسادٌ بأرضٍ!!! (عن اضراب عمّال النفط واختطاف ناشطين)


صورة

لا يكبر الفساد ببلاد إن كانت تعمل صيانة “قانونية” دائمة لمؤسساتها، ولا تنتشر الفوضى ولن تتنامى عدم الثقة حين يكون المواطن هو محور الوطن وهو أساس أيّة عملية تنمية وتطوير. ولن يُصبح المواطن متذمرا،حتى وإن قلّ دخله،طالما هناك دولة تحرص ليل نهار على تأمين لقمته وعيشه الكريم!

ولكنّ،حين يكبر عمر الدولة، ولا تكبر إنجازاتها، ويصبح فيها المواطن مجرد رقم، عليه أن يثني ويشكر لأيّ خيرٍ ترمي به الحكومة إليه، وأن لا يشك مطلقا في أي عمل تعمله الحكومة دون علمه، لأن الحكومة ما أتت إلا لأجله ولأجل تحقيق غاياته وأحلامه، في حين أنها تُداراي عن الخطأ وترفض الاعتراف به، وتتستر على المخطئ وتُدين طالب الحق لا سارقه! فمن الطبيعي أن يفقد الشباب بل المواطن،ثقته في الحكومة، وأن ينظر إليها كأي مؤسسة تعمل على استغلال الوطن وثرواته ومقدراته وموطنيه لأجل تسيير أعمالها الخاصة والانتفاع من ذلك.

ولعل في قضية اضراب عمّال النفط واعتصامهم، أكبر فضيحة للدولة، وأحد أنواع العار التي لن ينفك التاريخ يضع عليها علامات الاستفهام، ذلك أنّ الأصل في النفط هو مصلحة المواطن! ولكن، ما شهدنها وعرفناه وتوثقنا منه، هو وجود شركات مستخرجة للنفط، أو مقاولة فيه، تتحكم في ثروات هذا البلد، وتتحكم كذلك في آلية توزيعه، وتتحكم وبطريقة “بشعة” لا انتهاء لاستمرارها، في مقدرات العمّال وتستغل جهودهم في العمل الطويل الشاقّ، مع غياب القوانين التي تحفظ حقوقهم، وهو ما اتضح جليّا في قرارات الفصل العشوائية للمضربين عن العمل والمعتصمين،من قبل بعض الشركات مثل هاليبرتون أو رسائل التهديد التي اتبعتها معظم الشركات كذلك في حق المعتصمين والمضربين!

وهنا، ومن خلال ممارسات: الاتحاد العمالي، ولجنة حقوق الإنسان، وصمت الجمعيات الأهلية الأخرى، فإنه يتضح لنا جليّاً مدى مساهمة الحكومة وبطريقة لا مباشرة إلى انتهاك حقوق هؤلاء المضربين، وإلى اضطهادهم دون النظر إلى مطالبهم، فالإنسان لا يحتج لرغبته في تعريض نفسه للخطر، بل يحتج للخطر الذي يعيشه دون اهتمام من قِبل السلطات الأخرى، خرج طالبا بالمساواة مع القطاع العام، والمساواة أسوة بالعمّال في القطاع النفطي لدول الخليج العربي، وتأمين علاوة خطر أكثر من المبلغ الزهيد الذي هي عليه الآن.

ولكن، أن يقول الأمين العام للجنة الوطنية العمانية لحقوق الإنسان، أنّ هؤلاء المضربين لا يمثلون عمان، ثم يدعوهم للصبر لأن “الخير جاي”، ثم يعد رئيس الاتحاد العمّالي عبر اتصال هاتفي اذاعيّ بالتحرك وإيجاد الحلول، ومن ثم لا نجد لوعده أثرا ولا عملا ولا فعلا! فهو أمر لا مبرر إطلاقا لاستمراره على ما هو عليه!

جدوا لي مسؤولا واحدا قال كلمة حقّ في هؤلاء الشباب المضطهدين والمسحوقين؟

جدوا لي مسؤولا واحدا انبرى للدفاع عنهم والانتصار لقضيتهم؟

جدوا لي قانونا حكوميا وادا،يحفظ لهم حقوقهم ويُنظّم آلية توظيفهم؟

جدوا لي،أيّة ورقة استدعاء أو محاسبة للشركات التي تجنت على الشباب وطردتهم من عملهم نهائيا؟

ما أستطيع القول/الفصل فيه اليوم،أنّ ما أثبتته التجربة، وجود رؤساء لجان أو اتحادات لا منتخبين، أو غير فاعلين سابقا في المجال نفسه الذي هم على رأسه، أثبت فشل هذه الطريقة،بل وأثبت لنا يوما بعد يوم، أن السلطان، في تعيينه للوزراء والمسؤولين، لا حكمة تُرتجى ولا نتيجة لها،طالما أنّ هؤلاء يعتقدون في المنصب شرفا يرتقي بهم، لا تكليفا منوطا بهم!

أما من جهة أخرى، أن يعمل الأمن، على تشويه سمعة التحرك، وأن يتم بثّ رسائل مجهولة المصدر، تحذر المواطنين من مغبة الفتنة،وتحذر الدولة عن المضربين الذين يوّدون حرق أو تفجير أنابيب النفط!! ثمّ وفجاة، يتم اختطاف الناشطين الذين تضامنوا مع الشباب في إضرابهم، وذهبوا ليُطلعوا على الوضع ويقوموا بالوقوف على المستجدات، وينقلوا لنا صوتهم وصورتهم!!!!! تمّ اختطافهم من موقع فهود وهم (إسماعيل المقبالي،حبيبة الهنائي، يعقوب الخروصي)، اللذين توجهوا لموقع “فهود” النفطي، لنقل صوت الشباب وصورتهم، وكانوا في أشد الحرص، على أن لا يقوموا بأيّ مخالفة، لذلك وحين أتتهم التوجيهات بعدم السماح لهم بالدخول لداخل المؤسسة المعنية، اكتفوا بالوقوف خارجا والتواصل مع الشباب من هناك، إلا أنهم تم استدعائهم،والاستدعاء تحوّل فجأة إلى اعتقال واختطاف، ونقلهم من فهود إلى القسم الخاص!!!

تصرّفات أمنية مريبة جدا، ففي الوقت الذي لم تقم فيه الحكومة بأي ردة فعل اتجاه الفصل التعسفي والعشوائي لبعض الشركات للشباب المضربين، وتعمدهم تجاهل كافة حقوقهم منذ صيف العام الماضي وإلى الآن، إلا أنه يبدوا أن الأمن لا يهتم إلا بمصالح الخاصة الخاصة وأمن البلاد يراه متمثلا مصالح أهل التجارة وبعض المنتفعين منهم لا غير.

ولكن، أن يتم في بلاد تتدعي “أن لا مصادرة للفكر فيها” ولا مساجين للرأي أو الناشطين، أن يتم اختطاف ناشطين،سلميين، عُزّل، لم يرتكبوا أيّ جرم، ولم يُخالفوا أيّ نظام، ولم يتعدوا على أيّ ملكية، وعزلهم وإخفائهم عن أهاليهم ورفض أي تعامل قانونيّ بحقهم،لهو أمر في غاية “الغرابة”،ففي أي عرف وقانون في العالم، يحدث هذا؟

أليس هذا من طبائع الاستبداد؟

أليس هذا من علامات وصفات الحكومات الديكتاتورية؟

والآن،وقد اتضح لنا يقينا،أن الدولة لا تبني للمواطن،بل المواطن ليس هو الهدف من التنمية والبناء والاستثمار،إنما مصالحها ومصالح القلّة من رجالاتها، وأن الدولة،ذات السيادة والقانون، راضخة لتسلّط شركات نفط كبيرة وصغيرة،وأنها، ويا للفضيحة الكبرى، حين توقيعها لأيّ عقد مع أيّة شركة، لا تهتم بالتفاصيل التي تحفظ حقوق العمّال، وتصون كرامتهم، وتُراعي كافة احتياجاتهم!

مصر تنتخب “الرئيس”!



          العنوان أعلاه،ليس مجازا ولا مبالغة في الوصف، العنوان يصف حالة حراك انتخابي مثير وحماسيّ ومفاجئ، جرت أحداثه في “مصر بعد الثورة”، وكانت أهم تفاصيله، خروج الحشود من المواطنين بكثافة،لانتخاب رئيسا للبلاد، انتخاب رئيسا لأوّل مرة عن طريق انتخابات حقيقية ونزيهة، لا مجرد صناديق ممتلئة بالتأييد حتى قبل العملية الانتخابية نفسها!.

          الموعد، كان في 23 – 24 /مايو 2012، حين تنافس 13 مرشحا للرئاسة، تقدم منهم 5 مرشحين،نافسوا وتنافسوا بقوّة، هم :مرشح حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي للأخوان المسلمين (محمد مرسي)،والمرشحين المستقلين الآخرين:أحمد شفيق (آخر رئيس وزراء في عهد مبارك) وعمرو موسى (أمين عام الجامعة العربية السابق وكان قبلها وزير خارجية في عهد مبارك)، وعبدالمنعم أبو الفتوح (انشقّ عن الأخوان لعدم ترشيحها له للرئاسة،وتم تأييده من قبل الجماعة الإسلامية (السلفية)) و حمدين صباحي،الناصريّ المستقل الذي دخل سباق الرئاسه بفكره وعمله وتاريخ نضاله!

          كان السباق الرئاسي،الذي استمر لــ 24 ساعة –وقت انتخاب الشعب للرئيس على يومين- أحد أكثر السباقات حماسا،فاق في روعته سباقات الفورملا،وإن لم يكن بالسرعة نفسها، وفاق في حماسته مباريات كرة القدم، وأبهر العالم أجمع،والمصريوون يحتشدون في طوابير رغبة منهم للانتخاب، والسؤال المدهش وقتها: هل يحدث فعلا هذا؟ وهل العرس الانتخابي الذي شهدته مصر، هو مجرد مسرحية كما تعوّدنا؟ أم أن المصريين فعلا خرجوا لانتخاب من يريدوا لا يجبرهم أحد على مرشح، أو الابتعاد عن مرشح!.وأن تتنقل بين القنوات المصرية،الرسمية والخاصة، ولا تجدها تُبجل شخصا بعينه،ولا تُلمع من إسم ما. وأن تقرأ في الصحف المصرية، وتقرأ عن الكل،والتوقعات لا تعتمد في أرقامها على تسريبات من القصر الرئاسي، بل مجرد تخمينات!!

          ولكن الساعات،التي عقبت الانتخابات،أي فرز الأصوات،كانت إثارتها أكثر، ورابط فيها المشاهد العربيّ من المغرب العربي إلى الخليج العربي، ومعه المشاهد العالمي، عملية الفرز،وتباين الأرقام، وترجيح الكفة لصالح مرشح، وانتقالها لمرشح آخر بعد ذلك!. والترقب،حول ماهية شخص الرئيس القادم، وكأنه ليس رئيسا لمصر فقط، بل للعالم العربيّ بأكلمه، وزعيما للثورات جميعها. واستمر الفرز، ومعه كانت الآمال وتيرتها تتصاعد بحدّة وتهبط بالحدة نفسها!. وكان المواطن المصريّ يعيش بين الفرحة والخيبة، فرحة العرس الانتخابي، وخيبة نتائجه التي تبدت لاحقا، وإن كانت بصورة لا رسمية!.

          ما أكاد أجزم به، أن الأصوات التي ذهبت لــ مرسي وأبو الفتوح و صباحي، هي الأصوات التي دلّت وبصورة مباشرة على رغبة فئة عظيمة من الشعب تقدر بـــ65% للتغيير ورفض رموز النظام السابق، وأن الثورة لم تفشل كما يُراد لنا أن نعرف، بل تفرّق الأصوات بين أكثر من مرشح، مع وجود “شفيق” و “موسى” كان خطأً لا يُغتفر البتّة، وإن كان الأخوان تغيّرت مواقفهم وظهر طمعهم في السيطرة على كافة أركان ومؤسسات العمل السياسي في مصر، مع سكوتهم عن تجاوزات العسكر بحق المدنيين، بالتالي عدم احتساب مرشحهم “محمد مرسي” على الثورة، حتى وإن كان ضد “الفلول” أو رموز النظام السابق. إلا أنّ اتحادا بين “أبو الفتوح” و “حمدين صباحي” كان كفيلا بترجيح الكفّة، ووضع السباق الرئاسي في جولته الثانية “الإعادة” على صفيح ساخن، خاصة وأن حمدين صباحي، صاحب الحملة الإعلامية الأقل في الانتخابات -500 ألف جنيه (تقريبا 84 ألف$)- كان الحصان الأسود للانتخابات، ليس كونه مستقلا فقط،بل لأنه ناصريّ ولا يحظى بدعم التيارات الدينية، ولا النظام السابق. لذلك،كان دخوله وارتفاع أصوات منتخبيه، شكّل مفارقة عجيبة، خاصة لمنافسته أبو الفتوح وتفوقه عليه،ثم احتدام المنافسه مع مرسي وشفيق!.

          كما لا يجب أن ننسى، تصريحات الأخوان نفسهم من ضمانهم لكسب أغلبية الأصوات بنسبة تفوق الــ60%، بالتالي حسمهم لها من الجولة الأولى. والمؤتمر الصحفي المستفز الذي أقامه حزب الحرية والعدالة، والذي أقامه ليؤكد فيه فوز مرشحهم، رغم أن الأصوات لم يتم سوى فرز 5% منها، ورغم أن اعتمادهم كان على ما يقرب من 265 صندوقا فقط من  أصل 13099 صندوقا لــ27 محافظة! وهو الأمر الذي سيكون حجر عثرة لهم في الإعادة.

          وماذا بعد؟

          النتيجة النهائية لم تُعلن للآن، وربما تُعلن الثلاثاء –يوم نشر المقال- كأبعد تقدير حسب تصريح أمين عام لجنة الانتخابات المستشار حاتم بجاتو. والذي أكد أن الأرقام المنشورة للآن هي شبه نهائية،وليست نهائية. مع وجود تجاوزات يتم البحث في شأنها ضد الفريق “شفيق” في اصدار بطاقات مدنية لرجال “عسكرية”، مع تزوير أصوات وصلت لـ900 ألف!! وربما إذا ثبتت كافة هذه الادعاءات لاحقا، فسوف تكون فيصلا في حصر السباق الرئاسي بين مرسي وصبّاحي. وفيما يبدوا فعلا، أنه حينها صباحي سيكتسحها طالما الأخوان اكتسبوا كل تلك العداءات!. 

          ولكن، الأمور ذاهبة حسب التوقعات، إلى حصر الإعادة على “مرسي” و “شفيق”. وبالفعل،ظهرت أصوات من هنا وهناك، تنادي إلى وضع كافة الخلافات مع الأخوان جانبا، ودعم مرسي حتى لا تعود الأمور كسابق عهدها على أيّام مبارك، ويعود النظام ولو بصورة جزئية، إلى حضن أحد رموز النظام السابق، خاصة وأن شفيق أعلن في أكثر من موضع بعد الفرز، أنه سيحافظ على ا الثورة من مَن يحاول اختطافها – أي الأخوان-،وأنه كذلك، لن يتبع سياسات سلفه من النظام السابق الذي كان في يوم ما أحد قياداته ورموزه!!!!

          وحينها، من المتوقع تماما أن يلعب نظام الرموز السابق على وتر “التعهدات” التي أطلقها الأخوان بعد سقوط النظام، لأجل كسبهم لكافة الانتخابات البرلمانية والنيابية، وتنصلهم من هذه التعهدات، التي كانت أحدها تعهدهم بعدم تقديم أيّ مرشح رئاسي، ولكنهم تقدموا بمرشحهم. وكذلك توظيف مسألة المؤتمر الصحفي، كفضح لنوايا الأخوان اللاأخلاقية في التحكم بمقدارات البلد وسياسيته ومستقبله الخارجي والداخلي، بما يتسبب في أزمة فكر وأمن!، مع وضع في عين الاعتبار، أن وجود شفيق ومرسي فقط في جولة الإعادة، سيحسم أصوات أغلبية المسيحيين والأقليات وربما حتى السلفية كذلك، لصالح شفيق وحده!!

          مصر تنتخب الرئيس، وتنتفض لأجل الثورة أم عليها؟؟