لماذا طالب المعمري؟


 

حين تسعى بعض الأنظمة إلى تأسيس “سلطة تشريعية” مستقلة في قرارها عن السلطة التنفيذية، عادة ما تعمل على تأسيس حراك مدني مجتمعي لتسهيل وتسريع عملية الوعي الجمعي إلى ضرورة وجوج كيان رسمي مستقل يصدر عنه القرارات المتعلقة بإدارة شؤون البلاد الداخلية أولا، والخارجية لاحقا. لكن من عادة الأنظمة ذات طابع السيادة المطلقة، أو الملكية المطلقة، والتي يكون فيها كيان مؤسسات الدولة الثلاث مرتبط أرتباطا وثيقا بشخص الحاكم/الملك، أن تسعى إلى ابتكار عملية “التدرج” في تأسيس السلطة التشريعية، بحجة إعطاء الفرصة للجميع إلى فهم واستيعاب أهمية هذه السلطة، وفي الحقيقة أن هذا التدرج ما هو إلا عملية فرز وتصفية، من خلالها يتم مراقبة أولى عمليات التدرج للمؤسسة المعنية بالتشريع كــ البرلمان، وما أن يتم اكتشاف عضو أو فرد يعمل جاهدا على خلق صف معارض “حقيقي” للسلطة التنفيذية، بل ويسعى جاهدا إلى تشكيل قرار التشريع بصورة شبه مستقلة إن لم يكن مستقل، عن السلطة التنفيذية، حتى تعمل السلطة التنفيذية على ابتكار آلية ملاحقة ثم معاقبة، ما لم تنفع آلية الترغيب والرشوة.

المقدمة إيّاها، ما هي إلا توضيح، أو ملخص بسيط لحقيقة اعتقال عضو مجلس الشورى طالب المعمري، المعتقل منذ 24 أغسطس 2013، بسبب تواجده في وقفة احتجاجية مع أهالي ولاية “لوى” – الولاية التي يمثلها في الشورى- ضد انبعاثات الغاازات السامة على أهالي الولاية. الوقفة كانت في 22 أغسطس 2014، واعتقال المعمري حدث بعدها بيومين، لتتضح لنا مدى كيدية السلطة الأمنية، وكذلك القضائية، في تلفيق التهم إلى طالب، ثم معاقبته بالسجن لمدة طويلة لحرمانه من التواجد داخل قبة مجلس الشورى في فترته الحالية المشارفة على الانتهاء، وحرمانه من أي ترشيح لاحق.

taleb

من جهة أخرى، اعتقال طالب، والتنكيل أو التشهير به، والأحكام القاسية الظالمة التي صدرت بحقه، ما هي إلا رسالة قوية إلى كل أعضاء مجلس الشورى الحاليين، وحتى في المستقبل، إلى ضرورة اتباع نهج راضخ إلى قرارات السلطة التنفيذية من جهة، وإلى تدجين قرارات المجلس من جهة أخرى، في ظل وجود رئيس للمجلس يميل وبقوّة إلى رأي التنفيذية وقراراتها.

تجربة برلمانية متمثلة في شخصية طالب المعمري، تجربة من المهم تكررها ووجودها داخل قبة “الشورى”، فالسلطات التشريعية تنهض بالبرلمان عبر خطّ نهج إداري مستقل، يصب في مصلحة المواطن أولا قبل أيّ شيء آخر، ويعمل على تنمية وعي المجتمع إلى ضرورة تأسيس مرحلة صنع قرار نابعة من المجتمع وفي خدمة المجتمع، مهما كانت الاختلافات أو تعددت الأراء.

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

النظام الأساسي للدولة: دستور الدولة أم دستور السلطان!.


 

         تعتبر الدساتير الوثيقة الأساسية المنظّمة لعمل الدول،وتحديد علاقتها بقادتها، وتصون حراك المجتمع المدني وتشرّع لعمله، كما تكوّن وتكون كذلك خارطة طريق للقوانين التي يتم تشريعها والعمل بها،ويتم تقديمه -أي الدستور- وفق المفاهيم العامة الدولية على أنه: مجموعة المبادئ الأساسية المنظمة لسلطات الدولة والمبينة لحقوق كل من الحكام والمحكومين فيها بدون التدخل في المعتقدات الدينية أو الفكرية، وبناء الوطن على العالمية والواضعة للأصول الرئيسية التي تنظم العلاقات بين مختلف سلطاتها العامة، أو هو موجز الإطارات التي تعمل الدولة بمقتضاها في مختلف الأمور المرتبطة بالشئون الداخلية والخارجية.

          ومن هذا المنطلق، يصبح للدستور أهمية كبيرة في تحديد ورسم شكل الدول ومجتمعاتها، حيث أنّه المقياس الحقيقي على تقدم الأمم أو على تأخرها، وفقا لما يتضمنه الدستور من مواد وبنود؛ إمّا أن تسهم إلى تعزيز قيمة الفرد ومكانته مهما كان وصف هذا الفرد، والاعتماد عليه كمحرّك أساسي للقوانين والعملية السياسية والاقتصادية…إلخ، أو أن تكون هذه المواد والبنود نفسها مكبّلة للفرد ومقيّدة لحريّاته الفكرية والتعبيرية وممارساته الحياتية..إلخ. تناول النظام الأساسي -الدستور- للدولة ، يأتي من زاوية تقديم تجربة دستورية معاصرة وحديثة وحيّة، هذه التجربة تتناول في عموميتها النظام الأساسي -الدستور- وكيفية تطبيقه والعمل به، مع توضيح كيفية “وضعه وتصميمه”. بالتالي المقال لا يمثل نقدا بقدر ما يعتبر مجرد قراءة تستند على “حقوق” الفرد أكثر من استنادها على المقارنات “السياسية” بين دساتير بلدان أخرى. مع الإشارة مسبقا، إلى عُمان، ومسماها السياسي “سلطنة عمان” نظامها ملكيّ، ويتمتع في السلطان بالسلطة المطلقة،وهي من ضمن الدول القليلة جدا في العالم المصنفة على أنّ نظامها السياسي “ملكيّة مطلقة”.

          النظام الأساسي (الدستور) للدولة:

          تم العمل  بالنظام الأساسي -الدستور- للدولة على إثر المرسوم السلطاني 101/1996، حيث تكوّن من 81 مادّة تم توزيعها على سبعة أبواب، مع التنويه إلى بعض التعديلات التي طالت النظام الأساسي للدولة، مثلما حدث وفق المرسوم السلطاني 99/2011 مثلا، والذي تمحور حول صلاحيات مجلس الشورى والدولة وهيئة الشورى الجديدة التي عليها الآن.ولن نعمل هنا على تقديم تفصيل كامل للنظام الأساسي بقدر ما سنحدد النقاط التي سنهتم بذكرها وحصرها، وإضافة الملاحظة التي نوّد أن تكون مرادفة لها.على أن يتم تحديد الحديث عن القصور في النظام الأساسي في ثلاثة جوانب وهي:

– كيفية وضع الدستور.

– سوء التطبيق/التنفيذ لبعض المواد.

– انتهاك المؤسسة الأمنية له.

– وضع الدستور:

          النظام الأساسي -الدستور- تمّ وضعه بصورة فردية، من قبل السلطان قابوس نفسه (يحكم عمان منذ 1970 خلفا لأبيه السلطان سعيد بن تيمور وبعد انقلابه عليه في العام نفسه)، وهذا ما يؤكد على ضرورة القيام بتحديث أو تعديل، أو حتى كتابة دستورا جديدا، لما أهمله النظام الأساسي سابقا، من تجاوز “الرؤية الشعبية” وتجاهل تطلعات المجتمع وآماله وأراءه في كيفية إدارة العملية السياسية للبلد ورسم هيكليتها، ولما تضمنه الدستور من تجاوزات تعتبر لا إنسانية في معناها الأعمق،عبر تحصين السلطان لنفسه واستئثاره بسلطات الدولة، مثل رئاسة الوزراء والمالية والدفاع والخارجية والمجلس الأعلى للقضاء..إلخ.

          في باب “رئيس الوزراء” تحديدا في بند “رئيس الدولة“، قدّم السلطان نفسه في المادة 41 في عدة مناصب على رأسها رئاسة الدولة، وصان نفسه بعدم انتقاده في كل الحالات والمناصب التي يتولاها. كما وصف لنفسه المناصب التي يتحكم بها إلى اليوم مثل الدفاع والخارجية والمالية، في المادة 42 في الباب نفسه، كما أنّه هو المشرّع للقوانين والأنظمة عبر المراسيم التي يصدرها كل عام حول الشؤون المحلية الداخلية أو المعاهدات الخارجية. بوجه عام، فإن الباب الرابع وما تضمنه بند رئيس الدولة، يعتبر “تأسيسا” لعمل “دكتاتوري“، ذلك أنّ السلطان هو وحده من أعطى لنفسه الحق في تملّك المناصب كافة وتوزيع نفسه عليها أو توزيعها عليه، دون الرجوع إلى السطلة التشريعية -البرلمان “مجلس عمان” المتكون من مجلسي الشورى والدولة، مجرد ديكور سياسي ولا يستطيع التشريع ولا إضافة أو التعديل على القوانين- أو دون الرجوع لأي لجان مختصّة في وضع الدساتير. وهذا بحدّ ذاته يشكّل ضررا على المواطن، كما حدث في عام 2012 على سبيل المثل، في توجيه عددا من التهم مثل: الإعابة في ذات السلطان “إهانة السلطان”، والنيل من مكانة الدولة! إلى عدد من الناشطين الحقوقيين والسياسين والكتّاب والمدونيين. ذلك أنّ السلطان هو نفسه رئيس الوزراء والمشرّع لقوانين الحكومة وأنظمتها وآلية عملها، بالتالي أي انتقاد لعمل الحكومة أو قراراتها، هو انتقاد للسلطان نفسه، ونيلا من هيبة الدولة!. وهذه الازدواجية شكلت وستشكل على المستقبل المنظور والمأمول كذلك، مشاكلا لا حصر لها، إن ظلّ العمل السياسي للحكومة هو مجرد مراسيم تصدر من السلطان نفسه، مع غياب أي رقابة عليها، وغياب “لجنة” تقوم بدور الإصلاح السياسي والحكومي بصفة دورية وفق أدوات المراقبة والقياس التي ستتاح لها حين تتشكل!

          ولمنع الضرر إيّاه، لا بدّ أوّلا من إعادة صياغة موّاد الباب الرابع، خاصة فيما يتعلق بالسلطان ورئيس الدولة، فطالما أن السلطان مستمر في مهمته كرئيس للدولة وبعض المناصب الوزارية ومشرّع للقوانين، ليس من حقّه الاعتراض على أي انتقاد يطال مراسيمه أو قرارات حكومته خاصّة في ظلّ الاخفاقات الاقتصادية التي تضمنت الرؤية الاقتصادية 2020! على سبيل المثال لا الحصر. كذلك، لا بد من استحداث منصب رئيس الوزراء، عبر اتباع طريقة آمنة،على سبيل المثال أن يتم تعيينه في أوّل مرحلة من السلطان بالتوافق مع أعضاء “البرلمان”،ثم العمل على اتباع طريقة الانتخاب والترشيح من قبل البرلمان نفسه،  مع تحديد فترة زمنية لكل حكومة مع إمكانية اختيار الرئيس لوزراءه وفق الكفاءة والخبرة والعمل، وتمكين “البرلمان” من محاسبة الحكومة والمساهمة في وضع الخطط وتشريع القوانين -لا بد من الإشارة هنا إلا عدم فاعلية المادة 48 من بند رئيس الوزراء في الباب الرابع-. ولكنّ هذا للأسف فيما يبدو أنّه لن يحدث على المدى القريب طالما السلطان هو المتحكم والمتنفذ الوحيد بالقرار السياسي في البلاد.(لا بد من الإشارة أنّ السلطان منع قيام أيّة أحزاب سياسية في البلد، ولا وجود لمؤسسة برلمانية بالمفهوم العام المتعارف عليه).

          للعودة للأمام قليلا، والنظر إلى الباب الأول :الدولة ونظام الحكم، في المادة الـــ6، نجد أنّ السلطان يرسم لنفسه حضورا حتى بعد رحيله -أي مماته- عبر تحديده لاسم السلطان القادم، وهو ما يعني عمليا شغور منصب “ولاية العهد” طالما كان -أي قابوس- على قيد الحياة،وهذه الخطوة لها ما لها وعليها ما عليها من تداعيات لاحقة، مهما كان السلطان يحاول من خلال مضمون المادة 6 أن يرسم خارطة طريق آمنة لانتقال السلطة واستقرار الوضع السياسي، إلا أنّ الولاءات دائمة التغيّر، ومن وقع عليه اختيار السلطان الحالي لأن يكون السلطان التالي لربما لا يحقق توافق الأسرة المعنيّة بالسلطة، وهو بالأحرى  ما يجب توقعه مباشرة في حال مرور الــ3 أيّام التي تم تحديدها في كــ مهلة للأسرة الحاكمة كي تختار سلطانا فيما بينها.

          وهذا ما يعود بنا إلى قاعدة أساسية وضرورية وهي: الملك لا يحكم، والحاكم لا يملك!.

– سوء التطبيق/التنفيذ لبعض المواد:

          تضمنت المادة الــ9 من الباب الأوّل: “يقوم الحكم في السلطنة على أساس العدل والشورى والمساواة”، وهذا بحدّ ذاته يعدّ تسويفا في حق المواطن، عبر:

– المفاهيم العامة الواسعة،وغياب خطوات التطبيق والتنفيذ لها.

– القرار للآن هو قرار فردي بامتياز يتعلق بالسلطان نفسه.

          كما أنّه لا يحق للسلطان وهو يضع الدستور أن يحدّد دور المواطن، في حين أنّه يجب أن يتم تحديد دور السلطان وسلطاته وسياساته من قبل المواطن عبر المؤسسات التي تمثله مثلا، أو عبر اللجان التي يتم تشكيلها من أعضاء “نخبة” في حالة الرغبة في التحوّل التدريجي مثلا لتمكين السلطة التشريعية من “تشريع القوانين ومراقبة الأداء الحكومي”.

          كما أنّ المبادئ السياسية في المادة 10 من الباب الثاني، أتت بمفاهيم عامة وغير مفصلّة كغيرها من موّاد النظام، خاصة في النقاط المتعلقة بــ :”إرساء أسس صالحة لترسيخ أسس دعائم الشورى، وإقامة نظام إداري سليم يكفل العدل والطمأنينة والمساواة!”(ما هو مذكور في نص النظام الأساسي (الدستور)). فالأسس الصالحة يتم وضعها وتحديدها في بنود وقوانين واضحة ومنظمة، ليس عبر “مزاجية” السلطان نفسه في إصدار مرسوم واستبداله بعدها بغيره، وفي كلا الحالتين لا يمثل المرسوم إلا وجهة نظره الخاصة في معنى “الشورى”. كما أن النظام الإداري السليم يتطلب وجود شخصيات “إدارية” نزيهة مطّلعة على الشأن المحلي والوضع الاجتماعي والاقتصادي للمواطن،على أن يتم اختيار هذه الشخصيات وفق ما تقدمه من رؤى وبرامج عمل في النهوض باقتصاد البلد وتفعيل سياساتها الداخلية، وهذا ما لا يحدث للأسف لتسلط السلطان وحده وتنفذه، واختياره شخصيا لهذه الشخصيات أو عبر “المسؤوليين المقربين منه”.

          أما المبادئ الاقتصادية في المادة 11 من الباب الثاني، تناقض مفهوم الحريّة الاقتصادية في ظلّ وجود احتكار متوسع في السوق المحلي في عدد من القاطاعات،وأغلبية هذه الاحتكارات تعود لمسؤولين في الدولة أو لتجّار قريبين من الدولة، وهو ما نشهده عبر سنّ قوانين لا تخدم إلا كبّار التجار مثل قانون العمالة الوافدة وتقييد رب العمل بمواصفات معينة للعامل الذي يأتي به، أو براتب معين للعامل العماني بغض النظر عن مدى ربح المؤسسة هذه، وهو ما يعني عمليا قتل المشاريع الصغيرة لتهيئة الطريق للمشاريع الكبيرة للسيطرة والتوسع. كما أنّه ليس هناك قوانينا ملزمة لمسؤولي الدولة بالمحاسبة حسب قانون “من أين لك هذا؟”، وهو ما يفسر اطمئنان المسؤول عادة في استغلال نفوذ منصبه لمصلحته الخاصة عبر تأسيسه لأعمال خاصة له تدرّ له الربح، أو تأسيس شركات يكون ربحها هو ما تجنيه من جيب  الحكومة من المشاريع الصغيرة التي يتم تسجيلها بأرقام كبيرة ومهولة!.

          كما نحدد نقطة أخيرة وهي مسألة القضاء على سبيل المثال، كيف يكون القضاء مستقلا – حسب المادة 60 من الباب السادس التي تتضارب مع المادة 66- والمجلس الأعلى له برئاسة السلطان نفسه!! وكيف يكون “لا سلطان على القضاء” – حسب المادة 61 من الباب السادس- والسلطان له الحق في عزل القضاة وتعيينهم!!.

          كل هذه النقاط وغيرها مما تجاوزناه، تعاني من سوء في التطبيق والنفيذ والعمل بها،مما ينتج عنه ضررا بالمواطن ومصلحة المواطن، وكما يتضح لنا فعلا، أن اسم المواطن أتى في السياق بما يخدم تأسيس النظام فقط، لا بما يحقق نظاما دستوريا حقيقيا من الممكن الاعتماد عليه في الفترات اللاحقة في تنظيم العملية السياسية بين الحاكم والمحكوم!.

– انتهاكات المؤسسة الأمنية:

          أحد أكبر التحديات التي تواجه أيّ دستور، هو تداخل عمل المؤسسات، لذلك عملية التنظيم والفصل وتحديد المهام والمسؤوليات من الضروريات التي تحفظ الدستور من أيّ انتهاك لاحقا، وتسهم في استقرار أوضاع أيّ بلد مهما شهد نوعا من العصف السياسي المتمثل في انتقال سلطة أو أزمات اقتصادية. لكنّ ما حدث في عمان للأسف، هو قيام “السلطة الأمنية” ممثلة بــ مكتب الأمن السلطاني وجهاز الأمن الداخلي (المخابرات) إلى اختراق موّاد النظام الأساسي للدولة، وخاصة في المواد 18-24 لــ الحقوق والواجبات العامة في الباب الثالث، وهذا الانتهاك الذي تمثل في اعتقال المواطنين واختطفاهم وحجزهم في أماكن سريّة مجهولة، تمّ تتويجه بمرسوم سلطاني 96/2011، تمثل في تعديل وإضافة عددا من المواد في قانوني الجزاء العماني والإجراءات الجزائية، ففي الجزاء العماني تم تعديل المادة 137، وذلك للتصدي لأي حراك حقوقي عبر منع المظاهرات السلمية،بحجة الإخلال بالنظام العام، وهو ما يعتبر منعا لحرية التعبير وتكريسا لسياسة القمع لأي صوت احتجاجي على سياسات الحكومة وقراراتها، وهو ما شهدنا آثاره خاصة في 12 يونيو/حزيران 2012 حين تم اعتقال مجموعة من الكتّاب والناشطين من وقفة احتجاجية سلمية بعيدة تماما عن المنشآت الحكومية أو الطريق العام، ورغم ذلك تمّ تلفيق التهم للمعتقلين بعرقلة السير والإخلال بالنظام العام!.

          أما في قانون الإجراءات الجزائية في النصوص المستبدلة في الأرقام (42و48و53و63)،فهو أكبر انتهاك لنظام الدولة الأساسي، حيث شرّعت نصوص هذه المواد لسلطة الضبط اعتقال أيّ مواطن،ووضعه في الحجز.

          كما لا بد من الإشارة، إلى أن “مكتب الأمن السلطاني” و “جهاز الأمن الداخلي” هما المؤسستان المتحكمتان عمل المؤسسات الأخرى، أي أنهما الذراعان اللتان يعتمد عليهما السلطان في بثّ عيونه ومراقبة عمل المؤسسات، ليس من أجل النهوض بها أو تطوير آلياتها وأفرادها، بل لضمان عدم وجود أي شخصيات في مناصب عليا تتعارض أعمالها وأفكارها مع أهواء الدولة!!! وهذا ما يدفعنا إلى ضرورة وجود لجنة مختصة في البرلمان أو “الشورى”، وظيفتها مراقبة أداء المؤسسة الأمنية، مع تقليم أظافرها لضمان عدم تجاوزها لحقوق المواطن وعدم انتهاكها لموّاد الدستور لاحقا، فالمؤسسة الأمنية جزء من العمل الحكومي يخضع للمراقبة والمساءلة والإدارة كذلك من قبل الحكومة لا العكس!.

الخلاصة:

          ترتبط عمان وبشدة بالمتغيّرات العالمية مهما ادعت أنها غير منحازة، طالما أنها اقتصاديا مرتبطة بالسوق العالمي، وسياسيا خاضعة للعبة القوى الكبرى، أصبح لزاما علينا:

–  كتابة “دستورا” جديدا إن تعذّر فعليا وعمليا التعديل والحذف والإضافة على الدستور الحالي (النظام الأساسي). – إنشاء لجان مختصة تتشكل من قانونيين واقتصاديين وأكاديميين وحقوقيين وناشطين، يسهمون في صياغة مواد الدستور، ووضعها بما يحقق التكامل والتوافق.

–  فصل السلطات، على أن يتوافق مع ذلك تشكيل لجان مستقلة في البرلمان – بعد تحوله لسلطة تشريعية حقيقية-، تكون وظيفة هذه اللجان مراقبة السلطات (القضائية والتشريعية والتنفيذية) بالإضافة إلى مراقبة عمل السلطة الأمنية وتقنين دورها.

– تفعيل منصب رئاسة الوزراء دون الحاجة إلى الاعتماد على الماة 48، بل إلغاء المادة إن يتم التعديل والإضافة عليها.

– تحديد مهام السلطان ودوره في العمل السياسي الداخلي،مع تحديد “استحقاقه” المادي السنويّ له، وكذلك لأسرته إن لزم الأمر لذلك.

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

عمان: هيئات دولية تدين اعتقال طالب المعمري التعسفي، وتطالب بالإفراج الفوري عنه


https://www.facebook.com/MHROMN/photos/a.137640296402862.30420.137626756404216/405836796249876/?type=1&theater

imgo

 

أصدرت “الكرامة” بيانها الخاص بقضية طالب المعمري، والذي تطرقت فيه إلى قضية المعمري وتفاعل المجتمع الدولي معها، الكرامة “خصّت” المرصد العماني بالبيان، وهنا نسخة مما جاء فيه:

عمان: هيئات دولية تدين اعتقال طالب المعمري التعسفي، وتطالب بالإفراج الفوري عنه
أصدر كل من الفريق العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي و الاتحاد البرلماني الدولي، بعد إخطارهما من قبل الكرامة، قرارات تدين الطابع التعسفي لتوقيف واعتقال طالب المعمري عضو مجلس الشورى العماني، وانتهاك حقه في حرية التعبير، ونادت سلطات السلطنة بالإفراج الفوري عنه.
رحبت الكرامة بهذين القرارين في القضية التي تعطي صورة واضحة للحملة التي تشنها السلطات العمانية ضد المعارضين السلميين، والتي ارتفعت حدتها منذ 2011.
دافع طالب المعمري، منذ انتخابه عضوا بمجلس الشورى سنة 2011، على سيادة القانون وحماية البيئة والصحة العامة بعمان. اعتقل في 24 أغسطس 2013، إثر المظاهرات السلمية التي نظمها المواطنون احتجاجا على الانبعاثات الملوثة للبيئة الناتجة عن المصانع البتروكيماوية بميناء صحار. كان يحاول الوساطة بين المحتجين والسلطات. ووجهت له تهمة “التحريض على التجمهر” و “قطع الطرق”. استدعته السلطات الأمنية في 11 أكتوبر 2013 مباشرة بعد الإفراج عنه بكفالة لتحتجزه من جديد. انتهكت العديد من حقوق المعمري الأساسية، وخاصة حقه في محاكمة عادلة، بدءا باحتجازه بمعزل عن العالم الخارجي بسجن الأمن الوطني بمسقط، مرورا بمنعه من زيارة أقاربه واللقاء بمحاميه طيلة الإجراءات القضائية. وقررت المحكمة في 31 أكتوبر 2014 إدانته والحكم عليه بالسجن 4 سنوات و غرامة مالية قدرها 700 ريال عماني (1800 دولار). ومنذ ذلك الحين وهو يقبع بسجن سمائل قرب مسقط.

ويوضح نبهان الحنشي،  مدير المرصد العماني لحقوق الإنسان: ” المعمري تمت محاكمته في ظروف غير قانونية، عانى من الاختفاء القسري عند احتجازه في أحد مراكز الأمن الداخلي السريّة. وعمدت السلطات الأمنية إلى تشويه سمعته والنيل من شخصه على مواقع التواصل الاجتماعي. وأساءت بشكل كبير إلى النظام الأساسي للدولة، خاصة بانتهاكها لموّاد القانون التي تحفظ للمواطن العماني حقّه في حالة احتجازه واتهامه”.
أخطرت الكرامة بعد اعتقاله في 7 أكتوبر 2013 الفريق العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي التعسفي والاتحاد البرلماني الدولي، موضحة أن مشاركته في احتجاج سلمي ليس جريمة، وأن محاكمته لم تحترم مواصفات المحاكمة العادلة، وبالتالي فإن توقيفه واعتقاله إجراءات تعسفية.
عبرت لجنة حقوق الإنسان للبرلمانيين بالاتحاد البرلماني الدولي في قرارها بتاريخ 16 أكتوبر 2014 عن قلقها مشيرة أن “متابعته المعمري وإدانته كانت على أساس تهم تنتهك حقه المشروع في حرية التجمع، وأكدت على ضرورة احترام صفته البرلمانية. ورحبت اللجنة بدعوتها من قبل السلطات العمانية لزيارة البلاد، لكنها وبعد أن علمت بعدم سماح السلطات العمانية بلقاء بين المعمري وماينا كياي، المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، خلال زيارته الرسمية للبلاد في سبتمبر الماضي، “أكدت على أهمية وضرورة لقاء وفدها بالمعمري شخصيا”. وتتمنى الكرامة أن تدفع هذه الزيارة بسلطات السلطنة إلى إعادة النظر في اعتقالها المستمر للمعمري.
وفي 16 ديسمبر 2014 أصدر الفريق الأممي المعني بالاحتجاز التعسفي قرارا مماثلا يوضح أن تهمة “النَّيل من هيبة الدولة” الواردة في  المادة 137 من قانون الجزاء العماني ” فضفاضة وتفتح الباب للتأويلات” و قد ينتج عنها، كما هو الأمر في هذه القضية، انتهاك للحق في التجمع السلمي وتشكيل الجمعيات الوارد في المادة 19 والمادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وأضاف القرار أنه وبموجب هذا القانون تم اعتقال العديد من المتظاهرين لممارستهم حقهم في حرية التعبير والتجمع السلمي، في حين لا يمكن للحكومة أن تنكر مطالبات سكان لوى بحقهم في العيش في بيئة صحية”.
تغتنم الكرامة فرصة إصدار هذين القرارين الهامين لمطالبة السلطات العمانية بإعادة النظر في اعتقال المعمري. وعلقت خديجة نمار، المسؤولة القانونية عن منطقة الخليج بالكرامة قائلة: “تكتسي قضية المعمري أهمية خاصة، لأنه اعتقل بسبب تضامنه مع ناخبيه الذين يطالبون سلميا بحقهم في العيش في بيئة صحية، وهذا هو المنتظر من المنتخبين في ديمقراطية حقيقية”. وأضافت: “الاحتفاظ به في السجن، رغم المناشدات والقرارات الدولية، تهديد للمسار الديموقراطي للبلاد، ومن الضروري أن تعترف السلطات بالطابع التعسفي لاعتقاله والإفراج الفوري عنه”.
تكرر الكرامة نداءها للسلطات العمانية للمصادقة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، لأنها من الدول القلائل في العالم التي لم تصادق على أبسط الصكوك الدولية لضمان حقوق مواطنيها الأساسية. كما تطالب الكرامة السلطات بالكف عن انتهاك حقوق مواطنيها وحرياتهم المشروعة في التعبير السلمي ومطالبتهم بالديمقراطية. وتؤيد الكرامة ما جاء على لسان ماينا كياي، المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، إثر عودته من السلطنة “أعتقد جادا أنه لا يجب أن تنظر السلطات إلى التجمع السلمي كتهديد، بل كصمام أمان يجب تشجيعه لما له من أهمية في التعبير عن اختلاف وتنوع وجهات النظر بشكل سلمي علني، لأنه لا يوجد مقياس لمعرفة ما يفكر به الناس أفضل من الاحتجاج السلمي”.

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

لماذا أنت علمانيّ؟!.


    لتغلق الباب أمام الناس لفهم أي مفهوم أو مصطلح، كل ما عليك فعله هو تشويه تعريف المفهوم، بدمجه بكل خطأ فردي أو جماعي في مجتمعك أو في المجتمعات الأخرى، واستخدام المصطلحات الدينية الرنّانة مثل: الأخلاق النار العُريّ…إلخ، كي تُثبت المفهوم في أذهان الناس وهو مصحوب بأشكال عديدة وصور عدّة من أشياء تثير مخاوفهم أو تستفز “العربيّ البدوّي الأصيل” داخلهم، ليقف وقفة صارمة أمام هذا المفهوم، فإما أن يتوقف عن السعي لفهم المفهوم أو البحث عن كل ما يتعلق به، وإما أن يحارب كل من يناقش أو يتحدث عن المهفهوم!
    ولعلّ أحد أكثر المفاهيم تعرضا للتشويه، بل والتقطيع والتجزئة والتمرغة كذلك في وحل “المفردات القذرة والمفاهيم المغلوطة”، هو العلمانية؛ يكفي أن تقول أنّ فلان “علماني” أو يدعو للعلمانية، حتى تتراقص في أذهان الناس صورا شيطانية عدّة، من “الكحوليات” إلى “شاطئ” تستلقي عليه النساء شبه عاريات!، وليس المُراد من هذا المثال التدخل في خصوصيات الناس، بل توضيح أحد أهم آليات محاربة الأفكار نجاعة في المجتمعات الشرق أوسطية،وهي نسب كل ما لا يتوافق مع هذه المجتمعات فكريا إلى أي شيء غربي متوّج بفكرة: الكفر والتدني الأخلاقي.
    وكذلك، أحد أهمّ الأسباب التي أدّت فعلا تشويه صورة “العلمانية” كمفهوم، هو انتماء كل فرد يريد أن يجد لنفسه مجالا ضيّقا أو واسعا من الحرية، إلى العلمانية، يكفي أنّه يريد أن يتيح لنفسه مجالا واسعا من حرية التخلي عن المفاهيم الدينية، فيصف نفسه بالعلمانية، فيخلط بين الإلحاد أو حتى بين اللادينية والعلمانية!، أو أنه يبحث لنفسه -ذكرا كان أم أنثى- متنفسا ومجالا واسعا في حرية التعرف بالجنس الآخر وحرية التواصل والالتقاء معه كرفض للتقاليد أو القيود المجتمعية، فينسب نفسه للعلمانية، فيخلط بين التمرد على ثوابت مجتمعية وبين العلمانية…. إلخ من هذه الظواهر التي باتت اليوم براهينا وحججا لكل محارب للعلمانية ليثبت أنّها -أي العلمانية- آفة على المجتمعات المسلمة وطريقة لتفكيكها وتفكيك أواصرها.
    لست هنا بصدد الوقوف على الشواهد التاريخية للحركة العلمانية أو تاريخ نشأة المفهوم كمصطلح أو كتطبيق أو كحركة، سأكتفي فقط أن أتطرق لسلكوكيات بسيطة، أنا شخصيا كعلمانيّ أطبقها وأعيشها وأنا في تسامح تام مع نفسي، وهي:
– العلمانية لا تعني الإلحاد ولا الكفر ولا التنصل من أيّ دين، بل هي أن تحترم الآخر مهما كان دينه وتوجهه، وأن تؤمن بحقه الكامل مثلك تماما، في حرية العيش والتنقل والمعتقد والفكر..إلخ.
– العلمانية ليست شتيمة الأديان ووصفها بالرجعية أو التخلف، بل هي إيجاد أرضية مشتركة بين هذه الأديان لتوسيع رقعة التلاقي، وتقليل فرص الاصطدام.
– العلمانية الضمان الوحيد اليوم، لمجتمع حر منفتح متعافي من ترسبات المذهبية والنعرات الطائفية والتحزبات القبلية!. وهو ما نراه فعلا ماثلا اليوم، في معظم البلدان العربية للأسف، فليس كافيا أن تكون الدولة إسلامية، بل يجب أن يتم ترجمة هذا الإسلام حسب مذهب معيّن، وللأسف، لكل دولة مذهبها الغالب على آخر، فمهما ادّعت أيّ دولة أنها متسامحة وعلى وفاق مع كل المذاهب، إلا أنه مؤسساتيا، ستجد مذهبا ما بعينه هو الأكثر انتشارا، وهو المسيطر على مؤسسات الدولة الدينية، وهو المؤثر على قرار السلطة حول مواقيت المناسبات الدينية!.
– العلمانية ليست كأس نبيذ تشاركه مجموعة من الأصدقاء في سهرة، بل هي تشارك الأشخاص الجلوس على طاولة واحدة، الذي يشرب الكحول والذي يشرب، الذي يأكل لحم خنزير والذي لا يأكل، الذي يؤمن بالله والذي لا يؤمن، المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي واللاديني والهندوسي….إلخ. دون أن تفرض اعتقادك على الآخرين.
– العلمانية ليست الهجوم على الأديان، كما يحدث في بعض المؤسسات الإعلامية الغربية للأسف، ولا الهجوم على المذاهب الأخرى، أو التشهير بالناشطين كذلك، كما يحدث مع بعض مثقفي الخليج للأسف الذين يرون في العلمانية أنها الجانب “المتسامح الخفيّ” المتفرع من مذهب ما، أو الجانب “المترف السخيّ” الذي تحدده وترسم خطوطه السلطة الحاكمة!.
    أنا علمانيّ نعم، أؤمن أن هذا الكون يتسع للجميع، وأننا جميعا نستطيع العيش تحت سقف واحد، وأن الإنسانية هي الدائرة المفتوحة على كافة الاختلافاتـ، التي إذا انتميت إليها ستترجم سلاما وتسامحا حقيقيا في سلوكك وتصرفك، وليس فقط مجرد شعارات رنّانة للثرثرة بها!.

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

حوار شؤون خليجية


مدير_المرصد_العماني_لحقوق_الإنسان_لـ(شؤون_خليجية)_قابوس_كأي_طاغية.1

 

مدير المرصد العماني لحقوق الإنسان لـ(شؤون خليجية): قابوس كأي طاغية.. والسلطنة (مزرعة) وليست دولة

2015-01-22 12:16:470

شؤون خليجية – ريهام رفعت

وصف نبهان سالم – مدير المرصد العماني لحقوق الإنسان – الحالة الحقوقية بالسلطنة بالـ”متردية”، مشيرًا إلى أن السلطان قابوس بن سعيد، كأي طاغية آخر يرسل كل منتقد له إلى السجن.

وأكد خلال حوار خاص مع “شؤون خليجية”، أن السلطنة أقرب لوصفها بـ”المزرعة” وليس الدولة، وتعتبر ملكًا حصريًا للسلطان قابوس، وذلك لأنه وحده هو من يتحكم فى رسم القوانين والتحكم بالقرار وثروات البلاد، دون السماح للشعب بالمساهمة في ذلك.

ورصد “سالم” عددًا من الانتهاكات وقضايا الفساد التي أكدتها مصادر رسمية وأعلنتها جرائد حكومية بالسلطنة منذ 2008، مستنكرًا تقاعس السلطات وعدم التحرك والتحقيق في هذه القضايا حتى الآن.

وكشف أن السلطنة بها أكثر من معتقل سري، وهو ما يخالف الدستور العماني، مؤكدًا أن الإعلام داخل السلطنة أغلبه حكومي سواء جرائد أو تليفزيون أو إذاعة، ولا يقدر على التطرق لكل القضايا.

أما فيما يخص القضاء، فأوضح “سالم” أن الأجهزة الأمنية تتحكم في بعض أعضائه، وتستطيع التأثير على أحكامه، مشيرًا إلى أنه أحد الجهات التي يسيطر عليها السلطان.

وطالب بتحديد سلطات السلطان، لافتًا إلى أن إصلاح النظام داخل السلطنة يكون من خلال فصل السلطات والشفافية الاقتصادية ووجود برلمان حقيقي مشرع وليس ديكور سياسي، ووضع دستور جديد.

** حدثنا عن نشأة المرصد العماني لحقوق الإنسان وتطوره، وما هي الصعوبات التي تواجهكم؟

* بدأ المرصد نشاطه في فبراير 2013، بعد خروجي من عمان في ديسمبر 2012، وكانت بداية نشاطه متعلقة بتغطية أخبار معتقلي الرأي في قضيتي الإعابة والتجمهر، التي ابتدأت في أواخر مايو 2012، واستمرت حتى صدور العفو السلطاني في 21 مارس 2013.

استمر المرصد بعدها في التغطية الإعلامية ورصد الانتهاكات الحقوقية لكافة المواطنين، النشطاء والكتّاب.. إلخ. واستمرار المرصد إلى الآن، يعود سببه إلى أن إدارته من خارج عمان، حيث سبق وأن قامت السلطات الأمنية بالتدخل أكثر من مرة لإيقاف عمل ونشاط الفريق العماني لحقوق الإنسان، الذي تم إنشاؤه من مجموعة من الناشطين داخل عمان.

** كيف تقومون برصد أوضاع حقوق الانسان داخل عمان، وكيف يتم امدادكم بالمعلومات؟

* منذ إنشاء المرصد، ونحن نعتمد على مصادر متنوعة ومختلفة، لعدة أسباب، أهمها التوثيق من الرواية وتغطية الحدث، والحمد لله، إلى الآن لم يتورط المرصد في نقل أخبار غير صحيحة أو ملفقة، وإن كانت هناك أخطاء عادية متعلقة بتفاصيل الخبر وليس بصحة الخبر. إلا أنه وللأسف، يتم تتبع ومراقبة أي فرد تشك السلطات الأمنية أنه على علاقة أو تواصل بالمرصد، وفي حالة حدث أن ثبتت عليه التهمة، من السهل جدًا توجيه تهم مثل النيل من مكانة الدولة، ومخالفة قانون تقنية المعلومات، أو حتى تطبيق قانون المطبوعات والنشر.

** من يقف وراء تمويل المرصد، وهل تقبلون الهبات من الأفراد والدول؟

* المرصد يعمل بجهود ذاتية حتى الآن، وكما شاهدتم نعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي، لسهولة وصولها إلى كافة الفئات، ولصعوبة الاختراق أو الحظر من قبل السلطات الأمنية أو حتى من قبل الأفراد، وهو أحد الركائز الأساسية التي ساعدت على استمرار المرصد لما يقرب من العامين. وبالتأكيد، الهبات والدعم مرحب به، إذا كان في شكل دورات تعليمية وما يتبعها من لوازم، شرط أن لا يكون هذا الدعم مشروطًا.

** كم عدد المعتقلين في عمان؟ وما ظروف اعتقالهم؟ وكيف يتم التظلم من قرارات الاعتقال؟

* إن كنت تقصدين معتقلي الرأي، فليس هناك عدد محدد، وبصورة أدق، الاعتقال عادة لا يستمر، تكتفي السلطات في الغالب باستدعاء أي فرد، ثبت ضده تغريدة في تويتر أو مشاركة في فيس بوك أو مقال في مدونة ما، وتضطره لتوقيع تعهد، ينقطع هذا الفرد بسبب هذا التعهد بعدها عن الكتابة أو التعليق أو انتقاد الحكومة.

ولكن هذا لا يحدث دائمًا، فمثلًا هناك عدد من الناشطين مثل سعيد جداد ومحمد الفزاري، اللذين رفضا الانصياع لتهديدات السلطة الأمنية، وتمت معاقبتهما بسحب وثائق السفر منهما ومنعهما من السفر، والآن جداد يواجه على الأقل محاكمتين، في صلالة وفي مسقط، بتهم مختلفة، وربما في حالة حدوث ذلك والحكم عليه، سيتم الزج به في السجن لمدة لا تقل عن سنة، فقط بسبب رأيه.

ولا أنسى هنا الحديث عن طالب المعمري عضو مجلس الشورى، الذي تم الزجّ به في السجن لـ 4 سنوات، فقط لتواجده في وقفة احتجاجية سلمية مع المواطنين الذين انتخبوه في الولاية التي ينتمي إليها “لوى”. مع أن الوقفة الاحتجاجية كانت سلمية، وكانت ضد انبعاثات غازات السموم من مصانع البتروكيماويات في مصفاة صحار على أهالي لوى.

** تصنيف الاعتقالات في عمان سياسيًا وفكريًا هل تقتصر على فئات محددة؟

* بعد أحداث 2011، ما عاد هناك ما يمكن تسميته بفئة محددة دون غيرها، فالاعتقالات طالت ناشطين حقوقيين وناشطين سياسيين وناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي ومدوّنين وكتّاب وصحفيين ومحاميين.. إلخ. وأقصد بناشطي التواصل الاجتماعي، هم فئة الشباب الذين عادة يقومون بدعم النشطاء ونشر آرائهم، أو المطالبة بالإفراج عنهم، فتقوم السلطات الأمنية باعتقالهم في محاولة منها لإنهاء أي تأييد لهم.

** تعد عمان من دول الخليج التي لم يسمع فيها عن انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان، ما مدى صحة هذا الكلام؟

* عدم السماع لا يعني عدم وجود الانتهاكات ولا ينفيها، فعمان كغيرها من دول الخليج للأسف، بها الكثير من الانتهاكات، خاصة وأن النظام الأساسي للدولة “الدستور”، تم انتهاكه من قبل السلطات الأمنية أكثر من مرّة، وكذلك به موّاد تجرّم انتقاد السلطان، الذي يملك السلطة المطلقة، فهو الرجل الوحيد المتنفذ بالقرار السياسي في عمان، هو الملك وهو رئيس الوزراء ويتقلد أكثر من منصب آخر، وهو المسؤول المباشر كذلك عن عدد من الوزارات مثل المالية والخارجية والدفاع والنفط.. إلخ.

السلطات الأمنية غير مراقبة، وللأسف مجلس عمان (البرلمان) غير فعّال، والجانب التحتي له (مجلس الشورى) الذي يتم انتخاب أعضائه من قبل الشعب، لا يد له ولا سلطة، ومعظم أعضائه موالين للسلطة وقراراتها، بل هم من الذين يتغنون لها ويصفقون لها، وأداؤهم أسوأ من أداء الجانب الأعلى للمجلس (مجلس الدولة) الذي يتم تعيين أعضائه من السلطان نفسه.

** ما أبرز المنظمات الحقوقية التي تعملون معها؟، وهل تنسقون مع لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة؟

* نتواصل مع كافة المنظمات التي من الممكن التواصل معها، وفي الحقيقة، ليس هناك ما هو أسهل من التواصل مع المنظمات، مع الإقرار بصعوبة ذلك في البداية بسبب الثقة، ولكن لمجرد أن توثقت المنظمات من المرصد ونشاطه، استطعنا أن نكون طرفًا مزوّدًا لهذه المنظمات بالانتهاكات الحقوقية في عمان.

هذه المنظمات هي: لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، الأمنستي، وهيومان رايتس ووتش، والكرامة، وفرونت لاين، وحتى مراسلين بلاحدود.

** اذا أردنا تصنيف انتهاكات حقوق الإنسان في عمان طبقًا لأولوية القضايا ماذا يمكن أن نقول؟

* لا أستطيع الوصف الدقيق للحالة، ولكن من خلال تقارير عدد من المنظمات الحقوقية مثل هيومان رايتس ووتش والأمنستي، وكذلك تصريحات الممثل الخاص بالأمم المتحدة ماينا كياي، بالإضافة إلى ترتيب عمان في حريات الصحافة والنشر، سواء الصادر من مراسلين بلا حدود أو من فريدوم هاوس، بإمكانك القول: الحالة الحقوقية متردية.

** ألمحت في آخر تغريداتك إلى قضايا فساد واحتكار أراضي ونهب شواطئ وسرقة ديزل وبترول داخل السلطنة، أطلعنا على ما لديك من معلومات عن كل هذا الفساد.

* القضايا التي ذكرتها، للأسف بعضها من مصادر حكومية!!! أقصد أن بعضها مثل قضية نهب الأراضي، كانت أحد الجرائد الرسمية “عمان” نشرت تقريرًا مفصًلا عنها في إبريل 2012، جريدة الزمن “خاصة” دائمًا ما تنشر وثائق مهمة متعلقة بعدد من التجاوزات والاختلاسات والفساد في أروقة المؤسسات الحكومية.

وزير الاقتصاد الوطني السابق “أحمد مكي”، في أحد تصريحاته الصحفية عام 2008، لمّح إلى سرقات الديزل والبترول وضرورة إيقاف ذلك!!!، قضية فساد أهم مؤسسات في الدولة “رئيس المحكمة العليا ونائب رئيس القضاء الأعلى إسحاق البوسعيدي”، رئيس جهاز الأمن الداخلي “سعيد الهلالي”، ورئيس الادعاء العام وهو أخ رئيس جهاز الأمن “حسين الهلالي”، وفعلًا ثبت تعاملهم وتلقيهم الرشاوى عبر صور وتسجيلات صوتية وأمور أخرى.

الغريب في الأمر، أنه إلى الآن لم تقم السلطة بأي تحرك تجاههم ولا محاسبتهم، بل حتى الوزراء الذين تمت إقالتهم إثر الحراك الاحتجاجي في 2011، ما زالوا على علاقة وصلة بالمؤسسة الرسمية وقراراتها، وإن كان بطريقة غير مباشرة.

** ماذا تقصد بقولك: “السلطة المطلقة هي سبيل الطغاة المستبدين”؟

* حينما يتمكن رجل واحد، من رسم القوانين، والتحكم بالقرار وثروات البلد، وعدم السماح لأي طرف بالتدخل في ذلك، وعدم السماح للشعب بالمساهمة بصناعة القرار، فهذا يعني أن البلد بأكملها هي ملك حصري لهذا الرجل، وهي أقرب لوصف المزرعة وليس الدولة.

للأسف عمان، أحد الدول القليلة جدًا التي يتم وصف نظامها السياسي بالملكية المطلقة، وكما أشرت سابقًا، فإن قابوس يقبض على كافة المناصب، ولم يسمح  بوجود حتى منصب رئيس وزراء!! رغم وجود هذا المنصب في بداية عهد قابوس لأشهر قليلة (نهاية 1970 وبداية 1971)، وكان حينها عمّه الراحل طارق بن تيمور هو رئيس الوزراء.

الطاغية لا يكون طاغية، إلا حين تتوفر له ظروف مشابهة، مهما اجتهد الناس في وصفه بالكرم والعدل وما إلى ذلك، يبقى مدى تقبله للرأي الآخر أو انتقاد أدائه في إدارة السلطة هو المقياس الحقيقي لتقييمه، وهو ما أثبت من خلاله وللأسف، أنه كأي طاغية آخر، يرسل كل منتقد له إلى السجن.

** سمعنا عن وجود معتقلات سرية بالسلطنة، ما صحة هذه المعلومة؟

* المعلومة صحيحة، أكثر من معتقل في أكثر من منطقة، أنا شخصيًا، كنت في معتقلين سريين مختلفين، وهذه المعتقلات للأسف لم تعلن الحكومة للآن عن مكانها أو عن مدى جدواها، في حين أنها مخالفة للقانون، ومخالفة لنظام الأساسي للدولة “الدستور”!!!.

** ما تقييمك لدور الإعلام داخل السلطنة؟ وهل ترى أن السلطنة بها حرية نشر؟

* الإعلام أغلبه حكومي، وحتى الخاص، يتلقى دعمًا حكوميًا سواء مباشر أو غير مباشر، وإن كان هناك تحرّك جيد من ناحية جريدة “الزمن” الورقية الخاصة، وصحيفة “البلد” ومجلة “مواطن” الإلكترونيتين، إلا أنّ هناك خطوطًا حمراء، وليست كل القضايا يستطيعون تغطيتها. كما أثبتت بعض الصحف مثل “عمان” والحكومية والشبيبة والوطن “الخاص” انحيازهما المطلق للحكومة.

التليفزيون حكومي، والإذاعة حكومية، وإن كانت هناك إذاعتان أخريان تنتميان للقطاع الخاص، وربما “الوصال” تطرح نوعًا من القضايا المختلفة عن ما يطرحه الإعلام التقليدي، إلا أن ذلك يبقى وفق الأفق المحددة سلفًا، فهذه الإذاعات لا تستطيع حتى التواصل مع معتقلي الرأي مثلًا، أو الناشطين الحقوقيين لطرح وجهة نظر مغايرة عن التي يطرحها الإعلام الرسمي، وهذا ما شهدناه على الأقل في اعتقالات الرأي في 2012، وهو الأداء نفسه المستمر حتى الآن.

السلطنة، وكأي سلطة عربية أخرى، تريد معارضة أو فريقًا مختلفًا معها وفق شروط محددة، يتطرق إلى مواضيع محددة، فقط للتوضيح للرأي العام أو حتى المجتمع الدولي، أن هناك نوعًا من حرية الرأي، وأن النقاش حول جميع القضايا مفتوح، وهذا أمر غير صحيح في غالبه.

** ماذا عن القضاء العماني؟ وهل يحاكم الفاسدون؟

* منذ أحداث 2011، والقضاء العماني أظهر مدى تحكم الأجهزة الأمنية ببعض أعضائه أو بعض قضاته، وسهولة التأثير على أحكامه للأسف، ودون التطرق لتفاصيل أدق، فإن الفضيحة التي طالت رئيس المحكمة العليا إسحاق البوسعيدي، تعطي مؤشرًا ومقياسًا لعدم وجود المحاسبة أو حتى التحقيق تجاه شخصيات تعتلي مناصب كهذه.

القضاء، أحد المناصب التي يسيطر عليها السلطان كذلك، ليس من الإنصاف التحدث عن استقلاليته المطلقة.. يحتاج للكثير من الإصلاحات، سواء من ناحية الهيكلة أو الصياغة القانونية.

** هل توجد تجمعات سلمية بالسلطنة؟ وما مطالبهم؟ وكيف تتعامل السلطات معها؟

* التجمعات السلمية تمّ تجريمها للأسف، فالمادة 137 من قانون الجزاء العماني التي تمّ تعديلها 2011، تنصّ على:

يعاقب بالسجن من شهر إلى سنة وبغرامة لا تتجاوز مائتي ريال كل من اشترك في تجمهر مؤلف من عشرة أشخاص على الأقل، بقصد الإخلال بالنظام العام.

وإذا استخدم العنف أثناء التجمهر يعاقب الفاعل بالسجن مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تتجاوز خمسمائة ريال.

وأصبحت الذريعة للسلطات الأمنية، كغيرها من المواد في الاعتقال وتلفيق التهم، حتى وإن كان التجمع سلميًا، أحيانًا، لا يتم الاعتقال مباشرة من الوقفة السلمية، ولكن يتم لاحقًا استدعاء أشخاص معينين، وتحويلهم للمحاكمة!

** هل تؤيد الاعتصامات؟ وهل تتوقع أن تتجدد في 26 فبراير المقبل؟

* التظاهر، سواء كان بالاعتصامات أو الوقفات الاحتجاجية، حق من حقوق التعبير الطبيعية طالما كانت سلمية، وهي وسيلة ناجحة لإيصال الصوت الشعبي، أو على الأقل لإيصال الصوت المختلف، فليس بالضرورة أن تكون الأغلبية على “صواب” فقط لأنها أغلبية.

** قلت من داخل سجنك سابقًا “الشعب يريد إصلاح النظام.. الشعب يريد إسقاط الفساد”؟ فكيف يتم ذلك؟

* إصلاح النظام يكون عبر فصل السلطات، ووجود برلمان حقيقي مشرّع وليس مجرد ديكور سياسي كما هو الحاصل حاليًا.. وشفافية اقتصادية، ليس فقط فيما يخص ذمّة الوزراء، ولكن أيضًا فيما يخص السلطان، وشخصيًا أميل إلى تحديد سلطات السلطان، ووضع دستور يتيح للشعب حكم نفسه بنفسه، حتى وإن تتبع ذلك أخطاء معينة في بداية الطريق، ولكن الوقوع في الخطأ والتعلم منه خير من البقاء تحت رحمة قرار رجل واحد!! وغير ذلك من الإصلاحات التي تتبع ذلك، مثل كتابة دستور جديد حقيقي ملزم لكافة المؤسسات، وخاصة السلطات الأمنية.

** ما معلوماتك عن حقيقة وضع السلطان قابوس الصحي؟

* مثلما أشار الكثير من وسائل الإعلام العالمية، إلى أنه يخضع لبرنامج طبي، فيما أن هناك إشارات شبه مؤكدة حول إصابته بسرطان الأمعاء أو القولون. رغم أن الإعلام الرسمي في عمان أشار إلى أن قابوس في زيارة لألمانيا من أجل إجراء فحوصات طبية!. وحين أعلنت قناة الجديد اللبنانية عن إصابة قابوس بالسرطان، للأسف تورّط الكثير من الإعلاميين والصحفيين القانونيين في عمان في تكذيب الخبر، رغم أنهم لا علم لهم إلا بما أعلن عنه الإعلام الرسمي!! ولاحقًا ثبت فعلًا إصابة قابوس بسرطان في الأمعاء.

المصدر : شؤون خليجية – خاص

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

كيف يصبح الفساد منيعا!


    حدث مرة -وهذه قصة حقيقية مع بعض التغطية- أن اجتمع موظفا عاديا جدا، بمسؤولي أحد كبريات الشركات في عمان، كان الموظف ممتلئً بالتفائل لما سوف يخرج به من هذه الصفقة من إنجاز له على الصعيد الشخصي كموظف في اختباره الحقيقي الأوّل، وإنجاز للمؤسسة التي وثقت به في هذه المهة في الخروج بصفقة إن لم تكن عظيمة، مرضية. وما إن عاد إلى مقرّ عمله ليبلغ مسؤوله المباشر بما حققه من إنجاز، استغرب ردة الفعل الباردة من هذا المسؤول الذي طلب منه لاحقا أن يلتحق به إلى غرفة الاجتماعات الصغرى التابعة للمديرية التي يعمل بها في هذه المؤسسة، لم تكن هناك مقدمات، وضع المسؤول المباشر أمامه ورقة بيضاء، وكتب له أرقاما وقال له: الشركة سوف تقدم للوزارة 10 ألاف ريال، 3 ألاف لك، وألفين لي، والخمسة للوزارة، وليبقى الموضوع بيننا وسوف تربح أكثر من ذلك.
    الموظف خرج والصدمة تكتسي ملامح وجهه، ذهب مباشرة للمسؤول العام، يشتكيه مسؤوله المباشر الذي رأى أنّه ساومه على النزاهة والشرف، وهي صمام أمان أي موظف -حسب اعتقاد الموظف هذا- إن أخل بها فسد العمل!. ولما تستوجبه أمانة النقل لهذه القصة، فقد تعاطف المسؤول العام مع هذا الموظف، وهزّ رأسه مرارا واستغفر وحوقل وهو يواسي هذا الموظف الذي طلب منه أن يأتيه في الغد، وفي اليوم التالي، قام المسؤول العام بإعطاء أمره المباشر الشفهي للموظف بنقله إلى قسم آخر خاص بالعمل الأرشيفي وليس المبيعات أو التسويق! معتبرا أن هذا لمصلحة العمل الكبرى.
    بعيدا عن ما آلت إليه ظروف هذه القصّة “الحقيقية جملة وليست في بعض التفاصيل”، إلا أن هذه أحد القصص التي كنت قد عايشتها أو سمعت عنها من حولنا حين كنت موظفا في وزارة التربية والتعليم. ولعلّ القارئ لهذا المقال سيعتبر الأمر فيه نوعا من المبالغة، وأحب أن أطمئنه هنا وأقول له: ليست مبالغة أبدا، من تنفع من منصبه الوظيفي ريالا واحدا، سيتنفع بآلاف الريالات إن لم يكن مئات الآلف في الغد!.
    ولعل السائل سيقول: ولماذا لم يشتكي الموظف لمن هو أكبر من المسؤول العام؟. الجواب بسيط جدا، وإليكم هذا المثال كتقريب بسيط لحصانة الفساد، وسأحاول أن أقدم أكثر من سيناريو للوقوف على كافة الجوانب أو الزوايا التي ينفذ منها الفساد للمؤسسات كافة:
– السيناريو الأول: شركة من خارج البلد لها وكيل من داخل البلد، هذا الوكيل إما أنه من أسرة “خاصة” جدا جدا، أو أنه من أقرباء أحد المسؤولين النافذين في البلد، إن لم يكن الوكيل هو مسؤول في الأساس! يأتي أحد المدراء الكبار، وهو من المؤسسين الحقيقيين للشركة، ليخاطب وكيل الشركة في البلاد، ويحكي له عن المشروع الفلاني الذي ستستفيد منه الدولة الكثير وسيرفع شأنها في “التقارير العالمية”، الوكيل يخاطب أي مسؤول في مؤسسة يخصها هكذا نوع من المشاريع، على أن تكون حصة هذا المسؤول النسبة الفلانية في حالة أن وقعت المناقصة على شركته، المسؤول يخاطب المسؤول الأقل منه مركزا، على أن يقدم توصية في الشركة الفلانية لحظة تقديم عروض كافة الشركات وتقديم المبررات الكافية لذلك، وأحيانا دون مبررات…وبقية القصة معروفة!.
– السيناريو الثاني: يتظاهر المسؤول الأكبر بالمؤسسة بالنزاهة، ويراقب من هم يعملون تحت مظلته، حتى إذا التقط خيطا يقوده لعيب أو خطأ ما في الأمور المتعلقة بــ”المال”، فإنه لا يعمل طبعا على إصلاح هذا الخطأ، بل يستفسر من صاحب الخطأ عن كيفية القيام بهذا الخطأ ولكن مع عملية أكثر ربحا، على أن تكون كل المعاملات والإجراءات قانونية بالمرة، وهو ما يفعله المسؤول الأقل مركزا مع مسؤول آخر أقل منه مركزا حتى يصلون للموظف، حتى إذا ما ظهر “ذو ضمير” ووقعت بين يديه أوراقا تكشف وتدين كل من تورط، يتم التضحية بكبش الفداء، وهو الموظف الأقل رتبة، ويسلم منها الكبار!
– السيناريو الثالث: وهل نحتاج لسيناريو ثالث، يكفي أن يكون المواطن العادي شاهدا على خطأ ما، ويكتفي بالصمت، إما بحجة أنّه ليس باليد حيلة، أو بحجة أنّ الأمر مجرد شبهة، وإثارة المشاكل حول شبهة يعتبر فتنة!!! وكأن الجاني سيقول بصوت عالي: ها أنذا أقول بالخطأ الفلاني، أختلس من هنا وأنتفع من هنا، فهل رأيتموني!!
من يريد البحث عن الفساد، سيجده بالطبع، أين؟
لماذا لا نبحث أولا خلف كل مناقصة أو مشروع لكل مؤسسة في البلد، أقصد الوزارات طبعا، مناقصة لأي مشروع تم الاتفاق فيها بين جهة رسمية وجهة خاصة، ونراقب حجم الأموال التي صرفت على هذا المشروع، وحجم الأموال التي ستصرف على هذا المشروع، والمشروع على أرض الواقع كم يستحق!!! ولنا عبرة في وزارة التربية والتعليم، التي ومنذ أعوام خلت تقترب من العشرة، وهي لا زالت تعمل على بناء مبناها الضخم الذي إلى الآن ما زال قيد الإنشاء!!!
– السيناريو الرابع: وهو سيناريو من باب التساؤل: هل يا ترى لو اكتشفت أن أحد أقربائك أو أصدقائك من الفاسدين، وهو له أفضال كثيرة عليك، هل ستعمل على إيقافه أو التبليغ عنه؟ سأجيب عنك، غالبا لا، وهذا ما عايشته شخصيا في مؤسستنا وزارة التربية حين كنت أسأل، لماذا ينتفع فلان من الصفقات؟ أو لماذا يقبل فلان الهدايا من الشركات وهو يحسب على الوزارة؟؟؟ ردّ علي المسؤول -الذي اتضح لاحقا أنه ذراع جهاز الأمن الداخلي في المديرية وأنه محمي منهم- أن هذا اجتهاد، وليس ما يعيب الأمر شيئا طالما المصالح متحققة لكل الأطراف!!!!!.
– السيناريو الخامس: يكفي ضحكا على الذقون، الفساد يحتاج شعبا يزيله ويتخلص من أسبابه، لا شعبا ينتظر المخلص يأتي من السماء ليخلصهم من مشاكلهم!.

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

بلاد الكفّار إيماني!



    نعيش اليوم واقعا تصل فيه ميزانيات الملكيات العربية لأرقام خيالية لا يمكن حصرها، بل وحتى الملوك العرب من المنافسين الأقوياء على ميزانيات أثرياء العالم، التي عادة يتصدرها رجال أعمال جنوا أموالهم عبر أعمالهم وشركاتهم ومصانعهم، في حين أن ملوك العرب جنوا ثرواتهم من بقراتهم الحلوب -أي بلدانهم- حيث يملكون السلطة المطلقة التي تمكنهم من وضع يدهم على كل صادرة وورادة من أموال شعوبهم، دون حسيب أو رقيب! في الوقت ذاته، تشهد هذه البلدان مشاكل تنموية اقتصادية اجتماعية، سببها الرئيسي الفوضى في استخدام وترشيد الثروات!
    ورغم تنوع الأسماء بين ملك وسلطان وأمير وشيخ، إلا أن الأنظمة الملكية هي نفسها بأسلوب إدارتها وهيئتها، وخاصة في دول الخليج العربي، التي تشهد نوعا من الطابع السياسي الساخر، الذي يوهمون فيه شعوبهم أنهم مصدر أمانهم، ولكي يستمر هذا الأمن والأمان لا بد من استمرار سلطاتهم المطلقة، حتى الكويت التي تشهد منذ عقود نوعا من الملكية الدستورية، إلا أن الملك الحالي وضع يده على بنود عدّة في الدستور مكنته من التحكم في مفاصل إدارة البلاد ولو بصورة غير مباشرة!
    في ذات الوقت، والمراقب لأداء الملكيات الغربية، وخاصة الأوربية، يجد أن الملكيات مجرد شكليات، أقرب لأن تكون “الجزء الكريم” للدولة، حسب تعبير المُنظر الدستوري وولتر باجهوت، الجزء الكريم هذا، أصبح اليوم مجرد رمزا للوحدة، خاصة في الحالة البريطانية، ولكنه أشبه للتراث أو التقليد ذو التداعيات المرهقة أو المكلفة!!!.
    في بدايات 2014، ثارت ضجة شعبية-حكومية في بريطانيا، احتجاجا على ارتفاع نفقات العائلة الملكية في فترة ما بين منتصف 2012 إلى منتصف 2013، حيث وصل إلى 33.3 مليون باوند(جنيه استرليني)، في حين أن التمويل الخاص بالعائلة كاملة لا يتجاوز 31 مليون باوند، وللذي فاته التركيز على العبارات السابقة، فالصرف هنا يخص العائلة الملكية كاملة!!! الأمر الذي جعل الملكة تطالب بالاسترشاد في النفقات، والموافقة على خفض النفقات. مع العلم، أنه في إبريل 2012، تم إلغاء الطريقة التقليدية في تمويل العائلة الملكية، وتخصيص ما نسبته 15% من صافي الدخل الفائض الذي تولده الخزينة، وهو ما يُعرف بالمنحة السيادية، ولأن في الإعادة إفادة، فإني أكرر: الــ 15% للعائلة الملكية بجميع أفرادها، وليس الملكة وحسب!
    أما في أسبانيا، والتي تعتبر ملكياتها أحد أفقر الملكيات في أوروبا، وربما في العالم، خاصة وأن الملك حسب الدستور الإسباني، هو مجرد موظف للدولة!!! على إثر تداعيات ما سُمي حينها بالربيع الإسباني في 2012، فقد قرر الملك خوان كارلوس تخفيض راتبه الشهري بأكثر من 7%، وكذلك راتب الأمير فيليب وليّ العهد، ليكون راتب الملك الإسباني 20 ألف يورو شهريا، ووليّ العهد 10 ألاف يورو! وهي الخطوة نفسها التي شهدت تخفيضا في رواتب كبار موظفي الدولة من المسؤوليين والووزراء والنوّاب…إلخ.
    الأمر لا يختلف كثيرا في باقي ملكيات أوروبا مثل النرويج، التي تحتفل بيومها الوطني في السابع عشر من مايو من كل عام، وهذا الاحتفال ليس عيد ميلاد الملك، ولا يوم تنصيبه ملكا، بل هو تاريخ إقرار الدستور وانتصار إرادة الشعب! مع العلم، أنّ شوارع المملكة النرويجية وعملاتها المالية واللافتات.. إلخ، تخلو من صوّر الملك أو أحد أفراد المملكة!!! فما بالكم بمقدار ميزانية الملك نفسه ونصيبه من الميزانية السنوية!!!
    ورغم ذلك، وحين يناقش الشعب الأوربي ميزانية ملوكهم، أو يطالبوا بالحد من نفقاتهم، لن تجد مثقفي سلطة يشيرون إلى مؤامرات ما، أو يتهمون أي أحد أنه عميل أجندة غربية، ولن تجد ملتحي المساجد ولا رهبان الكنائس يتوعدون الناس بالنار وجهنم إن طالبوا بذلك، ولن تجدهم يصفون أيّ فعل على أنه مشروع فتنة كبرى وخطوة لتقسيم البلدان وإسقاط الأنظمة! ولن تجد أجهزة أمن هذه البلدان، تختطف الناشطين من الشوارع، ولا تضيّق عليهم دائما بكثرة الاستدعاءات أو المنع من السفر أو الاعتقال!!!.
    العرب:
    اليوم، أثبت الكثير -حيث لا يجوز التعميم- من الشعوب العربية وللأسف أنهم أكثر الشعوب سذاجة، وأقلها مسؤلية، وأبشعها دموية، وتكاد تكون موطنا للفساد والرشاوى والطغيان والاستبداد والظلم والقهر، ففي الوقت الذي تخرج فيه الشعوب للشوارع رقصا وفرحا في أيامها الوطنية، يسيطر الملوك والحكّام على ميزانية شعوبهم، وينهبون كل واردة وصادرة، ويتركون لشعوب الفتات، حتى الدول العربية التي تتمتع بنعمة النفط، يستحم ملوكها بأموال النفط وخيراته، في حين أن الشعب يتمرغ في تراب النفط وعفراته!!!
    العدالة الاجتماعية وترشيد الاستهلاك والمساواة والعدل، ليست شعارات مستحيلة، ولا عناوين برّاقة، بل هي واقع ممكن تحقيقه إذا توفرت الإرادة الشعبية أوّلا، والأمانة لدى السلطة السياسية ثانيا، ولكن طالما كانت الشعوب مجرد “مزامير” وطبول” للرقص والهزّ، ستبقى الملكيات العربية على قوائم أغنى أثرياء العالم، وشعوهم العربية التي نقرأ عن دخلهم السنوي المرتفع في التقارير السنوية فقط، في حين أنهم الشعوب الأكثر تخلفا وفقرا، في بلدان غابت عنها جودة التعليم وجودة الصحة والاقتصاد، بسبب الأنظمة السياسيىة الاستبدادية!

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً