الشورى، سُلطة الشعب، أم سَلَطة السلطان!!


الشورى، قضية شعب أم سلطة أمن!!

لا جديد، فدولة السلطة المطلقة، من الطبيعي أن يكون فيها أيّ عمل برلماني أو ديمقراطي مجرد ديكورٌ لتزيين سقف النظام أو جدرانه، ولكن ليس بالضرورة أنه سيشكل ولو حجرا أو طوبا في عملية بناء نظام هذه الدولة!. ونعم،لا جديد في ظلّ دولة ترى القانون من وجهة نظرها الخاصة، وتتعامل مع المواطن على أنه حجر شطرنج، أين ما وضعته، يجب عليه أن يؤمن بأن ذلك الموضوع هو قدره.

نهضت الشعوب من غيبوبتها ولو جزئياً، وفي نهوضها، أول عمل قامت به، أن كنست الظلام والعتمة، وشقّت طريقها إلى الحريّة، والعيش تحت النور والمعرفة، نهضت الشعوب، ولم يصحو الحكّام وأهل السياسة، وكل اعتقادهم، أن ما جرى على السلف يجري على الخلف، وأن الأجيال تتعاقب نعم، والوجوه تتغير معها، وكذلك الأسماء والأرقام، ولكن الفكر هو هو، ينتقل من جسد لجسد، ومن أب وأم لأبناءهم، على أن حبّة القمح، في الأصل بذرة لا تنبت ولا تثمر، وإن حدثت معجزة وأنبتت ثم أثمرت، فهو من فضل الحكومة وحدها، وعليه،لابد من الصلاة على فضل الحكومة وتقديس رأسها رئيسا كان أم ملكا أم سلطانا!!

نهضت الشعوب، واستنفرت، فما فاد معها تركيع رُكب، ولا تكسير رؤوس، ولا نزيف دماء، نهضت ومضت في غاياتها، وطنٌ واحد لا علوّ فيه لقبيلة على أخرى، ولا فضل فيه لمذهب على آخر، وطن يكبر بشعبه فلا يشيخ أبدا طالما أن الشعب لا يشيخ، لأن الوطن الذي يُختصر في شخص رجل واحد، وطن يشبّ بشبابه،ويشيخ بهِرمه، وطن لا مستقبل له إلا في مستقبل ذلك الرجل، وسيظل محكوما عليه أن يعيش وطن الفترات والتقاطعات والمراحل، لماذا؟ لأن الوطن هو الحاكم، فالبتالي عمره على عمر كل حاكم يعبر كرسيّه ويتسلط على البلاد والعباد، وغير ذلك.. مجرد أشياء هامشية في تاريخ الملك السلطان الحاكم!!!

ولأن الشورى، بوّابة الشعوب للتواجد في رحم القرار السياسي، من الطبيعي جدا أن ينتهك الساسة جسده، ويفصلون له ثوبا لا كما يجب، بل كما يريدون له أن يكون، ثم يقولون لشعوبهم: هاكمو مجلسكم، اختصموا فيه وليتطاول بعضكم على بعض،ولتتسلوا وليتسلى الشعب معكم، إلا السلطان فذاته مصانه، ومراسيمه من ذاته المصانة لا تُناقش ولا تُفسر!

فأتى الشورى رغم صلاحياته، إلا أنه كالمولود المشوّه، إن أراد المشي لم يستطع لعوجٍ خلقي في إحدى ساقية! وإن أراد أن يُشير بيديه ويقبض ويكتب لم يستطع، لعدم استقامة الذراع وخلل في عدد الأصابع، وإن أراد أن ينطق، أتى الصوت مموّجا باختلاف واضطراب واستحياء وألم، فلا تفقه حرفا ولا تنال علما ولا تصل لحقيقة! فيكتم الحزن وويعترض على الظلم،في قلبه كأضعف الإيمان!

فهل الصلاحيات، حينما لا تُحرك حجرا، ولا تثني عملا، ولا تُوقف مرسوما، ولا تفصل مسؤولا، ولا تُعين المواطن على بؤس حاله، ولا تطوّر في التعليم حرفا، ولا يزيد في بناء الدولة طوبا، ولا يسهم في الصناعة فكرا،، فهل تكون صلاحيات!!!

الشورى ليس طبقا تحلية للسطان، إن اكتفى منه رمى بكرته في ملعب الشعب، وإن ضمر سحبه عنهم! الشورى صوت الشعب ورأيه وطريقه وعينه وأذنه.. وقوّته من قوّة الشعب، وأهميته من أهمية الشعب، فكيف لنا أن نجعل من هذا الشعب مجرد شيئا هامشّيا حينما يحين موعد التحجج به، نتغنى به في الخطابات والقاصائد والأغاني، وحينما يحين موعد الاستحقاق، يكون لا مهيأ، وأمامه من الوقت الكثير، وأن السلطان، بحكمته، وحده من سيأتي للشعب بحقه وحقوقه، من حكومته!!!!!

لا تتركوا الشورى وحيدا.. انهضوا به وتمسّكوا بكل صلاحيات هي من حقوقكم دائما أبدا!!

عن معتقلو الرأي والمظاهرات..!!


       صورة

 

          الظلم ظلمات، كالنفق المظلم، الذي يقودك إلى أنفاق أخرى مظلمة،لا نهاية للظلام فيها ولا انتهاء من التخبط في جنباتها. وحين تجتاح بلادا ما أحداثُ احتجاج وتظاهر، يقف المرء على حياد للحكم عليها، السبب الذي ساهم إلى تأجج الوضع،والسبب الذي ساهم لتطوّره، وكافة الإشكالات التي تداخلت في بعضها، رصاصة طائشة من عسكر البلاد وأمنها، أو عصاً غليظة من شُرطتها، وردة فعل هائجة أو عنيفة، ممّن فقدوا صديقا لهم بسبب تلك الرصاصة الغادره، ومن وجد أخاه يُعاني من ضربات تلك العصا الغليظة!

          وحين تهيج الجماهير، كردة فعل، لا بد لنا من الوقوف على الفعل نفسه، فلا يصح مطلقا أن تغزو جيوش البلاد وقوّاتها الخاصة على الناس السلميين والعُزّل، بحجة فض الاعتصام أو القضاء على المظاهرات،ويسقط فيهم القتيل والجريح، وتتوقع أن تقابلك الجماهير بالتصفيق والترحيب!! ولا يُعقل البتّة، أن نسجن هذا وذاك من الشباب، لأن فيهم من حرق وفيهم من كسر، والذي عاث باقتصاد البلاد فسادا، وتضرر بعض الشعب من مصفاة الغاز بأمراض مزمنة ومميتة، وآخرون وضعوا أيديهم على ثروات البلاد والعباد وعاثوا فيها فسادا، ولا يُعاقبون ولا يُساءلون، لماذا، لأن فسادهم كان باسم الدولة، وسرقاتهم كانت باسم الدولة، والأراضي التي نهبوها، نهبوها باسم الدولة.

          واليوم، وبعد  مايقارب الـــــــــ 150 يوما، على تسليم رسائل معتقلي سمائل، لـ لجنة حقوق الإنسان،والمفتش العام للشرطة والجمارك، ورئيس مكتب الأمن،ولا يكون الجواب سوى الصمت، والسلطان من بلد إلى آخر،في جولاته،يُكرم على هؤلاء، ويُعطي هؤلاء، ويصطحب هؤلاء، ويسافر برفقة هؤلاء، وقضية أبناءه، أبناء بلاده، مسكوت عنها ولا يناقشها، ولا يُحب أن يُعكر عليه صفوة الترحال أحد بمواضيع كهذه،أهذا حق الأب على أبناءه، التجاهل!! أهذا هو دور المسؤول عن البلاد والعباد، أن يُهمل الفساد ويحمي المُفسدين..؟؟

اليوم، وبعد ما يُقارب الــ150 يوما،تتهرب كل جهة مسؤولة عن مسؤوليتها، وكأن كل جهة وضعت أو وُضعت في مأزق ما، فالإجابة على رسائل العفو المقدمة والمرفوعة للسلطان والجهات القانونية المختصة، لا يُعلم لها مصيرا للآن،رغم تأكيد الجهات نفسها في وقت سابق عن تسلمها للرسائل! ولجنة حقوق الإنسان العمانية الحكومية،لا إجابة لديها حول الأمر، ولا أدري رأي اللجنة نفسها حول الرأيّ.والإعلام العمانيّ، الذي تمنيناه أن يكون بوصلة اتجاه الحقيقة، عبر فتحه لقضية صحار،وقضية المعتقلين، والووقوف على كافة التداعيات التي رافقت العملية الاحتجاجية في فبراير ومارس 2011، والوقوف على خلفية تفجر الوضع والانفجار الذي حصل في 26 فبراير.

          إذا كان السلطان،أمر كافة الجهات القانونية في البلد،أن لا يتم الإفراج عن المعتقلين، هل هذا يعني أنه سيحاسب المفسدين؟

          وهل السلطان، سيأمر الجهات القانونية، إلى إظهار كافة نتائج التحقيق في مقتل الغملاسي والعلوي، وعرضها على الرأي العام؟

          وهل السلطان، سيُحاسب الذي أمر بتحرك آليات الجيش باتجاه دوّار الكرة الأرضية فجر 26 فبراير؟

          قضية تقترب من شهرها السادس منذ حدوثها، ومن شهرها الرابع منذ تحرّك المعنيين بها، اتجاه كافة الجهات القانونية،وبالطرق القانونية. ولا نجد إلى اليوم لدى الدولة أيّة إجابة!!

          عزيزي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس:

هل البلاد ملك شعبها أم ملك مسؤوليها، أم هي ملك خاصٌ بك. وإذا كنت تسعى دائما وأبدا أن تجعل من الشعب سعيدا لمستقبل أفضل، أما آن أوان أن نسألك عن وعدك الذي وعدت. وإذا كنت أنت من قلت أن العدل أبو الوظيفة وحارسها فعاملوا الناس بمقتضاه، فهل لنا أن نسألك حول ما يحدث هل هو من العدل؟؟؟

أليس ما حدث في 26 فبراير،من الممكن أن نسميه “ظروفا خاصة” و”استثنائية”.. وعند الظروف الخاصة والاستثنائية،تسقط كافة التهم طالما أن السلطة كانت طرفا فيها!!! وطرفا مسببا لردات الفعل التي حدثت كذلك؟

لا نُريد للأمر أن يكون “استجداءً” بحيث يتحول من مطالب عادلة مشروعة إلى “شحاتة” و “رجاء”.ولا نُريد الأمر أن يبدوا وكأننا نطلب عفواً أسوة بالتنظيمات السرية، بل نطلب العدل،إن كنتم ستعاقبون من أحرق،فعاقبوا من سرق،وإن كنتم ستعاقبون من اتهمتموه بتخريب الممتلكات العامة،فعاقبوا من عاث في اقتصاد البلاد فسادا،وإن كنتم ستعاقبون معتقلي الرأي والمظاهرات، فعاقبوا من امتدت أياديهم وسرقت من أراضي الوطن ولازالوا. أليس هذا أساس العدل؟؟

 

ملاحظة: الصورة من المسيرة الخضراء2 لــــ “هلال البادي”

الإنعطافة في الوضع السوريّ.


هذا الرجل، لا يستطيع أن يظهر ضعيفا أبدا، ولا أن يخسر مُلكا قدمه له أبوه ممتلأً بالأمراض والمشاكل، فهو الرئيس الشاب، الذي ورث حكما، في بلد من المفترض أنها جمهورية لا تُورث! وحين ورثها ورث معها تحديات الخارج،وفق المعادلة السياسية الجديدة التي تبناها في دعم “حماس” و “حزب الله” وتوافقه مع المسار الإيراني، وتكوينه كمحور سياسي عسكري، ربما لسبب رئيسي ومنطقي، وهو سقوط النظام البعثيّ الآخر في المنطقة عام 2003، في العراق. وربما لإدراكه مسبقا، أنه في لعبة السياسة العربية، لا أحد من قيادات الخليج العربي، أو مصر والمغرب العربيّ، يوّد إعطاء أي دور سياسي لسوريا. وورث كذلك كل مشاكل الداخل، الفساد السياسي والاقتصادي، مع ثأر أهل حماة وحمص،بسبب أحداث 1982، والتي اقترف فيها حافظ ورفعت الأسد جرائم إنسانية بحق أهاليها لقمع كافة التحركات الاحتجاجية هناك.

ورغم أن بعض الدول العربية، تتحرك بقياداتها السياسية نحو إسقاط النظام السوري الحالي، أو تنحي بشار عن الرئاسة كأقل المطالب، إلا أنها تعلم يقينا أن مسألة انقلاب الأدوار وتعددها، لربما يطولها عاجلا أو آجلا، لذلك، قيام بعضهم بتنشيط مسألة “المذهبية” في ثوب شعبيّ بحجة أنها مطالب العامة، هو أمر كالعِقد، الذي تدور حباته، وحبله عبارة عن خيط دقيق، ما إن تزداد حركة دوران “الحبّات” حتى ينقطع الخيط! وهو الأمر الذي يبدو أن بعض حكام الشرق الأوسط لغرورهم، أن لهم القدرة في في افتعاله وإيقافه. في حين، أنه كان الأولى الاعتماد على بنيان الدولة عبر تفعيل الحياة السياسية فيها، وكافة مؤسساتها.

الوضع السوريّ اليوم خارج النطاق الذي كان يتوقعه الكثير، أنه مجرد “ثورة” ستنتهي بالإطاحة بنظام الحكم، مهما طال الأمر قليلا، ومهما حمل في طيّاته قليلا أو كثيرا من العنف. ولكن، حتى أكثر الناس تشاؤما أو تفاؤلا، لم يكن ليتصوّر أن المسألة ستتحول إلى صراع مذهبيّ مرير، وأن المعركة التي كانت غالبا نراها في لبنان، انتقلت بيسر إلى سوريّة، ومن باب الدول المتصارعة كلها، ولكن المعركة هنا، ليست فقط معركة تلاسن، وإسقاط حكومة لتشكيل أخرى، كما كانت في لبنان، بل تحوّلت إلى معركة سلاح،وحوار يُدار بالرصاص، ونتائج تُقاس بالدمار والخراب والموت. ولا يخرج علينا أحدا ليقول أنّ ثمن الحريّة غالٍ، لأن الوضع هنا ليس مسألة “شعب على كلمة واحدة” خرجوا ضد نظامهم، بل مجرد فصيل من الشعب. ولا أن المسألة هي احتلال، وخرج أهل الأرض ليطردوا المحتل.

القضية السورية، وبعد أن نجح “حافظ الأسد” في الاستقلال بالقرار السياسيّ لها، وجعلها بلاد ذات دور سياسي ومحوري، وعزلها عن نطاق تحكم الدول العربية الكبرى من المشرق والمغرب، إلا أنها اليوم، وبفعل فاعل حقا، ذاهبة إلى أن تكون “مكبّ” دمار وخراب، وعقدة شرق أوسطية جديدة، سينشغل بها العرب بعيدا عن قضية فلسطين، وغيرها من قضاياهم الأخرى، وأكاد أجزم بما يُثير القلق، أن الأمر يُراد لنا في أحد جوانبه، أن نفهمه وكأنه قلق أمريكي إزاء اسرائيل في حالة ذهاب نظام الأسد، ويُراد لنا كذلك، أن نعتقده “نضال روسي إيراني صيني” لعدم خسارة مكامن قواهم، إلا أن النتيجة أو “مجرى الأمور” هي عادة الحسم، وهي انزلاق العرب كافة إلى معركة أيّا كانت نتيجتها، فهم فيها جميعا خاسرون، ف إيران مستمرة في برنامجها، حتى وإن سقط الأسد، وتركيا ماضية في تنامي اقتصادها وسطوتها، حتى وإن بقي الأسد، فهل من متعض؟؟

الذين يخرجون علينا اليوم ببيانات إدانة “لقتلى” الجيش الحر، أو المتظاهرين، ويتعاطف معهم لدرجة تأليب العامة من الشعب العربي،ويتعمد بثّ مقاطع فيديو من هنا وهناك، وكأن النظام السوري سيسمح بوجود مصوّر ليشهد على جرائمه، ثم يوزعها بعد ذلك هنا وهناك، ماذا يقول في قتلى الطرف الآخر؟؟ وماذا يقول في قتلى التفجيرات؟؟ وماذا يقول في القتلى الذين يسقطون برصاص الجيش السوري الحر؟؟ لماذا لا يتم حتى تجريم الذين يدعمون الطرفين، وليس الاكتفاء فقط بدعوتهم، بل نهيهم وإيقافهم ومعاقبتهم إن لزم الأمر، أم أن المسألة هي فتح شركات السلاح لخزائنها، حتى يحققوا ما خسروه في أزمة الاقتصاد، ومن ثم، سيأتي وقت الإنسانية؟؟

لا أشك مطلقا، أنّ استمرار الوضع على ما هو عليه، لن يقود في الأخير إلا إلى تقسيم الأرض السورية، طالما العرب راضون مطلقا بهذا السيناريو، أسوة بالسودان، والتي فيما يبدو أن العراق وليبيا واليمن، سيُصيبهم الأمر نفسه. ولا أشك مطلقا، أن “تُجّار” السياسة، من مسؤولين ومثقفين ومنظرين ومؤسسات إعلامية، تعمل ليل نهار لأجل شغل الرأي العام بقضية سوريا، وإلهاءه عمّا يحدث في السودان وليبيا واليمن، بل إلهاءه عن القضية الأم، فلسطين. وتصوير أي خلل أو خطأ يحدث من ثوّار “سوريا” على أنه التفاف أمني من أجهزة الدولة لتشويه الثورة السورية. في حين، أننا كنا نعلم، أن مسألة حرب الشوارع والعصابات هي مرحلة ستعيشها سوريا، وأن وجود أيادٍ خارجية، ستعمل على نشر عملائها ومرتزقتها، سواء من الأردن والمغرب وتركيا، أو أمريكا عن طريق العراق، وسيعمل هؤلاء على التفجير هنا وهناك، واستهداف عددا من شخصيات النظام لهزّ أركانه، أو استهداف بشار بشخصه أو أحد أفراد عائلته، حتى يتضح لباقي الشعب السوري، مدى ضعف الدولة ونظامها في حفظ الأمن.

ولكن،لا أعتقد أن لا أحد يعلم بالسيناريو أعلاه، وأن المسألة باتت مجرد عملية “إصرار” ولا تراجع، عن الانتقام، خاصة بعض القيادات العربية، الذاهبة بملف تصفية الحسابات قُدما، حتى وإن عني هذا إبادة الشعب السوري نفسه بنفسه.

ما أستطيع الجزم به،نجحت أمريكا في اختلاق أزمة جديدة، بعد أن فشلت في ذلك عام 2006 في حرب تموز، واستطاعت أن تدقّ مسمارا جديدا على جدار نعش ما كان يُعرف بالوطن العربيّ، ولن أتفاجأ مطلقا، حين أرى غدا قوة حفظ دولية تتكون من جنود “أتراك” تنتشر على حمص وحماة، بحجة حماية أهاليها من جور النظام. ولكن العبرة في الأنظمة العربية التي لا زالت تمارس لعبة البيع والتخلّي.

 

Title (optional)فلسطين..ذاكرة النسيان، ووطن المنافي!!



“فلسطينُ داري ودربُ انتصاري

تظلُّ بلادي هوىً في فؤادي

ولحناً أبيا على شفتيا”

هل هناك من عربيّ لم يتم تحفيظه القصيدة إيّاها، كلمات سليمان العيسى، التي صاحبت ذاكرة الأجيال العربية، حتى لكأنها فلسطين أصبحت أكثر حقيقة في القصائد منها على الأرض الواقع، قصائد ملأتنا حماسا، وغاب العمل. ومن منصة أمم متحدة لأخرى، تحوّلت قضية الأرض والإنسان والتاريخ، إلى مجموعة من الورق، يتم تداولها ورسمها حسب المزاج السياسي العالمي، في حين، أن المواطن الفلسطيني، المرابط لكل حجر وحبّة تراب فيها، تدوسه الجرافات الإسرائيلية وتدمر دباباتها منزله، فيما عُرف بالصمت الدوليّ اتجاه انتهاكات العدوّ الإسرائيلي الصهيوني، وكافة جرائم الحرب التي يقوم بها بصورة يومية!!

ولكن، ماذا يحدث اليوم على ساحة الصراع العربيّ، بعد أن اتضح لنا، وجود قيادات عربية، تلعب على وتر المذهبية والطائفية، خدمة لها أو تصفية لحساباتها، من أجل تعزيز وحفظ نظام في دولة، وإسقاط نظام في دولة أخرى، حتى وصل الأمر إلى حشد المال والرأي العام، لأجل توجيه الجيوش والسلاح، ضدّ سوريا، والمناداة بالجهاد في سبيل الله لأجل تحليص أحرارها، من قبضة النظام الفاسد الديكتاتوريّ، وكأن أمر فلسطين، كان طوال الفترات السابقة، مجرد نشيد مدرسي، ومسلسل تلفزيوني لا أكثر!! أو أن المحتل الإسرائيلي فردا من أهل البيت!!

فكيف للقضية الفلسطينية أن لا تراوح مكانها، في المفاوضات السياسية، وفي المشاعر العربية؟؟

وكيف للقضية الفلسطينية، أن يمضي بها الدهر،وهي على ما  هي؟

وكيف للفلسطيني،الذي يُشرد ويُقتل ويُهان، أن لا تخرج بيانات إدانة بحقه من قبل الأنظمة العربية؟

منذ عام النكبة 1948، ومنذ حرب العرب ضد إسرائيل وحلفائها، وخسارة العرب للحرب، وفلسطين أصبحت “الابن المعوّق أو المشوّه” الذي يتبرأ كل وليّ أمر منه، ويرميه لأقرب مستشفى أو دار رعاية، لتتولى عنه أمور دنياه. وكانت فلسطين الابن/البلد الضحية، وتخلى عنها العرب وخذلوها تدريجيا، لتصبح القضية اليوم على ما هي عليه، لا فرق بين الجلاد والمجلود، إلا أن الجلاد له حق فرض شروطه واختراقه لشروطه كذلك، وارتكاب مجازره،دون أيّة إدانة عليه.

التوظيف السياسي للدين، وللفتاوى، أحد أخطر مراحل العصر العربيّ الحديث، وأحد أهم السقطات التي لا زال العرب إلى اليوم يعيشونها، وفق الأهواء السياسية لكل سلطة. فتارة تجد الإعلام بكافة وسائله من تلفزيون وإذاعة وجرائد، تكرر ذكر موضوع معيّن، وتعمل على تعبئة الرأي العام فيه، مرة إيران، ومرة لبنان، ومرة سوريا، وغيرها من القضايا هنا وهناك، الأمر نفسه لا يحدث في الشأن الفلسطيني، التي تكتفي العديد من وسائل الإعلام بذكر عدد من مات، أو ذكر خبرا عن مسار المفاوضات.

وماذا بعد 64 عاما على النكبة، إلا الأناشيد والأبيات الشعرية؟؟

هل من المحتمل في يوم ما، أن نشهد تحركا عربيا شاملا في تثقيف الشعوب اتجاه القضية الفلسطينية مثلا…؟؟

لنعود إلى نهاية عقد الثمانينات، ألم يتم حشد كافة الشعوب العربية، لأجل القضية “الأفغانية”، ومتى بدأ هذا التحشييد، ألم يبدأ بعد الاهتمام الأمريكي المباشر بالقضية؟؟ وأصبح فجأة، الجهاد ضد “الشيوعيين الملحدين” حلالا، وأمرا واجبا!! ألم يكن الأمر في الكثير من تفاصيله مجرد لعبة سياسية، لتقليم أضافر السوفييت، الذي عقبه الانهيار العظيم له في 1989! ألم يكن “الجهاد” إيّاه، مدعوما بسلاح وعتاد “أمريكي إسرائيلي”؟ وألم تكن مصر والسعودية وباكستان، هما دول المحور الإسلامي اللواتي اشتغلن على تأجيج الرأي العام، وتصويرها على أنها مواجهة للمسلمين ضد الكفار..؟؟؟

وفي الحرب العراقية الإيرانية، ألم تكن المسألة حُشد لها بطريقة مذهبية بحتة، وتبرعت بعض الدول في فتح خزائنها لـ صدام حسين، لينهل منها ما يشاء فيما يعينه في القضاء على دولة “الثورة الإسلامية في إيران”؟

فلماذا هذا التحشييد يغيب عن القضية الفلسطينية؟ أليس الأمر كله متعلق بالمزاج الأمريكي الإسرائيلي، وأينما تم تحريك الأدوات اتجاه أمرا معينا، اتجهت الدول العربية بأكملها إلى تحشييد شعوبها وعلمائها واقتصادها اتجاه هذا الأمر، وتصويره كــ “الجهاد” الذي آن قطف ثماره، أو التضحية بالشهادة في سبيله.

توظيف “المذهبية” في القضايا العربية أمر خطير، له تداعيات لا يمكن لنا صدّها أو علاجها مستقبلا، فـ فلسطين التي سكتت كافة منابر الفتاوى الرسمية عن “نصرتها” في جهاد أو تبرع، تظل وصمة عار على المشهد السياسي العربي، لن تزول مهما اجتهد العرب في إجراء كافة العمليات الجراحية لإخفاءها أو التخلص منها. ونسترجع في الوقت القريب،أحداث لبنان تموز2006، وبعدها غزة نهاية 2008 وبداية 2009، أو معاناة شعب الإيجور في الصين الشعبية، لندرك، أن الهبّة المفاجئة لنصرة “السوريين الثوّار” أمر فيه الكثير الكثير من الشك، فلا يُعقل البتة، أن نتجاهل آلات القتل الإسرائيلية وهي تعيث في فلسطين دمارا وخرابا، وتدهس الناس وتقتلهم وتسجنهم وتنتزع منهم أراضيهم، ولا نهتم حتى ببيان إدانة، ونعود إلى بيوتنا، وكأن الأمر أصبح كالعادة اليومية، التي لا تأثير لها، ثم هكذا فجأة، نغذي الأمة مذهبيا، ونحشدهم، ليذخروا أسلحتهم،وينفقوا أموالهم، ويوّجهوا كافة فتاويهم، ويملأوا وسائل إعلامهم، لأجل القضية السورية، وتصوير الأمر على أنه جهاد لفئة “خيّرة” ضد فئة “طاغية”، وهذا بالفعل ما يحدث اليوم.

تخلى العديد من الكُتاب والدعاة والمفكرين والنقّاد، إلى نصرة القضية الفلسطينية، واكتفوا بدعاء أحيانا يُذكر بخجل في خُطب الجمعة، تخلى هؤلاء حتى عن الكتابة عن القضية السودانية وهي يتم تقسيمها، واليوم هم أنفسهم، يبرون أقلامهم، ويشحذون الهمم للتركيز على سوريّا فقط لا غيرها!!!!

التوظيف السياسي لحقوق الناس وقضاياهم وحريّاتهم، دائما ما يضعها في موضع حرج، ويقود بها إلى السقوط في فخّ “الطائفية أو المذهبية”"، ويُفرّق الصفوف في الداخل والخارج، كما هو يحدث الآن.

في القضية الفلسطينية، ألف سؤال، يتوالد منها ألف ألف سؤال، هل هناك جديّة عربيّة في حل هذه القضية؟ أم أن المسألة مجرد سوق نخاسة يتم عرض البضاعة فيه حسب الطلب؟؟؟

إيران.. مشكلة لا تنتهي.


ليست إيران هي المعضلة في الحقيقة، فالدول التي عادة ما تنتصر لقضيتها، وتمضي فيها إلى آخر الدرب، نجد التاريخ دائما ما يذكرها بالنصر، وإلا لسمى الفتوحات الإسلامية في التاريخ، بتدخل الدولة الإسلامية في الشؤون الخارجية.. أو أطماع الدولة الإسلامية! ذلك أنّك في بناء قوّتك.. من حقك أن تُشرّع لنفسك ما يحفظ أمنك من جهة، وما يُتيح لك بناء الدولة التي تتطلع لها، وتأسيس علاقاتك الخارجية، التي تساعد على بناء الدولة، من ضمنها تكوين الحلف والمحاور، التي تحفظ لك السير على خط مبادئك السياسة، بوجود قوّة في الأرض.
وفي الحالة الإيرانية، لدينا نظرتين متناقضتين، الأولى، تتعلق بإيران الشاه، حينما كانت تقوم بدور “شرطيّ” الخليج، وقتها، كانت أغلبية الأنظمة العربية على توافق تام مع الدولة الإيرانية، حتى مسألة “الجزر الثلاث” الإماراتية، لم تكُن تشكل مشكلة في العلاقات الخليجية الإيرانية، وكان العرب في رضى تام عن الدور الإيراني، وتوجهاته وإدارته لأمن الشرق الأوسط. أما الثانية، فتتعلق بإيران الخمينية، أي ما بعد 1979، بعد سقوط الشاه، فجأة عاد الحديث عن “الأطماع الفارسية” والدولة الصفوية، إلخ. وأصبحت إيران أخطر من الوجود الإسرائيلي الصهيوني في خصر الوطن العربيّ. وقام صدام حسين وقتها، مدعوما من قوى عربية، وبمباركة غربية أمريكية، في شنّ حربا على إيران استمرت لما يقرب من الثماني سنوات،، لم ينتصر فيها أحد.. ولم تسقط الثورة الخمينية، لتبدأ مرحلة جديدة في سياسية الشرق الأوسط.
هذه المرحلة، كان من الطبيعيّ فيها، أن تتعامل إيران وبعد الحرب العراقية، بنوع من الحذر، وبسياسة سوء الظن كذلك، خاصةً وأن عددا من دول الخليج لازال للآن مركزا إقليميا للقوات الأمريكية، حيث تنتشر فيها القواعد الأمريكية المجهزة بأحدث المعدات، والتي تباشر كافة عمليات المخابرات العامة والعسكرية في الشرق الأوسط. بالتالي، كان من الطبيعي جدا، أن نشهد في الأداء الإيراني، نوعا من التمرد على السياسة المعتدلة لدول الشرق الأوسط، واتجاه إيران إلى ممارسة كافة الأساليب المتاحة أمامها لتأمين حدودها، ودولتها ومصادرها، لذلك تجدها في فترة العقود ال3 الماضية، ورغم الحصار الاقتصادي والعداء الدائم مع الدول الكبرى، إلا أنها حققت نوعا من الاكتفاء الذاتي، في أمورها الزراعية والصناعية، مع الاعتماد على الصين وروسيا، في النهوض ببنيتها الصناعية، مع الظهور دائما أمام الرأي العام على أنها ضحية “العقوبات الاقتصادية”!.
وأحد مفاجآت إيران السياسية الكبرى، استقبالها لــ ناجي صبري، وزير الخارجية العراقي أيام صدام حسين، تحديدا في بداية مارس 2003، لأجل حثّ إيران على الوقوف بجانب العراق في مواجهة أمريكا، واعتذارها عن عدم التدخل في هذا الشأن والتزامها الحياد!!!!
ولكن.. ملفات مثل جزب الله و حماس ومؤخرا سوريا، أشعلت فتيل المواجهة الدبلوماسية مجددا بين العرب وإيران، وساهمت إلى حد ما، في عودة التأجيج المذهبي على السطح السياسي، وهي وظيفة يقوم بها السياسيين العرب عادة، حينما يفقدون كافة أسلحتهم السياسية والدبلوماسية في مواجهة الطرف الآخر.
ولعل، الجولة الأخيرة للمفاوضات الإيرانية مع دول الغرب، والتي اشترطت إيران أن تكون الأخيرة في اسطنبول، على أن تبدأ في 23 مايو في بغداد، كانت تأديبا قاسيا من إيران لجارتها التركية، على مواقف الأخيرة في الشأن السوري، خاصة وأن إيران اتجهت إلى تليين المفاوضات، والدخول فيها بعروض مغرية، مما جعل مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، تتحدث عن أن: المفاوضات ستجري على أساس مبدأ خطوة خطوة والمبادلة. ناهيك عن غضّ الطرف عن مشروع إيران النووي، طالما أنها ستلتزم في التخصيب بما دون 20%، طالما أنها ستلتزم بكافة بنود الاتفاقيات المقبلة.
في الحقيقة، هذه الخطوة لم تمثل “هزيمة” للتوجهات السياسية الإسرائيلية في تأليب الرأي العام الدولي ضد المشروع الإيراني، والذي كادت معه في لحظات ما، أن تقنع أمريكا بضربة عسكرية سريعة. بل كذلك هزيمة للعرب أنفسهم، ففي الوقت الذين يبحثون فيه تضييق كافة المخارج الاقتصادية لها، خدمة لهم في الحصول على مكاسبا سياسية في جولتهم السورية.
لا تنتهي القضية الإيرانية، ذلك أن كافة الأساليب والأدوات التي تستخدمها الدول العربية، والخليجية خاصة، ليست مناسبة أبدا.. ولا تتوافق مع المرحلة الحالية، ففي اللحظة التي تعمل فيه ماكينات عددا من الدول العربية، في تصوير إيران بخطر أكبر من إسرائيل، وفي نفس الوقت، تمد هذه الدول يدها باتقاقيات عسكرية وسياسية واقتصادية مع إسرائيل، من الطبيعي جدا، أن يكون هناك خللا في المواجهة، ومن الطبيعي جدا، أن نصل إلى مرحلة نُبيح فيها لكافة المؤسسات الإعلامية، أن تتجاوز المنطقية في الطرح، وأن نستقدم كافة كتّاب السلطة والأهواء السياسية، ليتحدثوا بطريقة “الشتم” و “التحقير” و”الاتهام” و “التخوين”.
الخطأ ليس في إيران “القوية”، التي ربما أمر ما لا نتوقعه، سيذهب بثورتها في مهب الريح.. بل الخطأ في الدول العربية الضعيفة، المستكينة لرغبة الدول الكبرى، وتجعل كافة علاقاتها وسياساتها الخارجية، مرهونة بالقرار الخارجي، والمزاج السياسي الخارجي، حتى إذا ما توصلت هذه الدول الكبرى لمعادلة سياسية جديدة تخدم مصالحها في مرحلة ما، كانت الدول العربية، هي من يحمل تبعات السياسة الماضية.
ماذا لو، استطاعت إيران أن تجد لعلاقتها مع أمريكا والدول الأوربية مخرجا؟
ماذا لو، توافقت الرؤى السياسية بينها وبين الدول الكبرى؟
ماذا لو، توفرت الظروف والعوامل، التي تُمكن الغرب من تقاسم كعكة الشرق الأوسط؟؟
أعتقد، أنه حينها لن يكون لبرنامج إيران النوو أيّة مشكلة، بل بالعكس، في حالة اعتراف إيران بالدولة الصهيونية، وتوقفها عن دعم حزب الله وحماس. لكن المفاجأة الكبرى، أنه وفي لحظة توظيف إيران لكافة خياراتها الاقتصادية والسياسية، في منطقة الخليج العربي خاصة والشرق الأوسط عامّة، ستكون كأ شريك استراتيجي آخر، ومرضيّ عن كافة توجهاتها السياسية وخطها السياسي، مثلما كان صدام في لحظة ما، حامي العروبة والإسلام، ثم تحوّل إلى ديكتاتور ومغتصب ومدمر، بعدها أصبح شهيد الأمة وأسدها!

الانتخابات المصرية، وأثرها على الحالة العربية.


ليس من باب الصدفة أن ترى العديد من القنوات العربية، وخاصة المصرية، تتجه إلى إظهار المرأة “بالحجاب”، ولا من باب الصدفة أن تكتشف أن في القاهرة الكثير من المحلات التجارية يتعطل عملها نهارا الجمعة، ولا من باب الصدفة أن تكون “لغة” الدين” حاضرة في كلّ كبيرة وصغيرة… ولا أنه من باب الصدفة كذلك، قبل إغلاق باب الانتخابات المصرية بعدة أيام، تظهر أمام الناس “الحقيقة الصدمة”، في كشف حقيقة أن أحد أقوى المترشحين في مصر، وهو “حازم صلاح أبو إسماعيل”، أمّه تحمل جنسية أجنبية، وليست أيّة جنسية.. هي الجنسية الأمريكية! وضرب معقل “الأصوليين” في مصر بضربة شبه قاضية، على كافة أحلامهم وتطلعاتهم للوصول إلى سدة الرئاسة، في ظل الانقلاب السياسي الكامل للمشهد المصريّ.
ولا أنه من باب الصدفة كذلك، أن يتم فتح أحد ملفات “خيرت الشاطر” المرشّح الإخواني على الساحة، وابعاده بعد ذلك، ولا أنّه من باب الصدفة.. أن يتم استبعاد مرشحا كـــ “عمر سليمان” الذي لا ندري أيّ صديق سوء دفع به أوقنعه بضرورة الترشح. فاليوم في مصر.. القضية لا تتعلق بأشخاص المترشحين أنفسهم، بل الانتقال من لعبة “شق الصف”، إلى لعبة “فقد الثقة”، والتجهيز للحضور العسكريّ في شخصية الرئيس المقبل! أو من يرتضيه المجلس العسكريّ خليفة لمبارك!. كل ذلك يحدث، وسط انشقاق الصف “الثوري” في مصر الذين انشغلوا “بتقاسم” وليمة الثورة من جهة، والتواجه من جهة أخرى.
ولربما، في دفع الأخوان بالمرشح البديل “محمد مرسي”، أحد الاحتياطات التي وضعها الأخوان في لعبة القط والفأر المكشوفة التي يلعبها مع العسكري، إلا أنه، وباسم القانون، لا تدري مالذي سيكشفه أو يفعله العسكري في مقبل الأيام، وباسم وحدة مصر أو أمنها وأمانها، خاصة وأن العسكري عمل على الظهور أما كافة الأطراف، وكأنه على مسافة واحدة منهم، وأنه لا يُؤيد طرفا على آخر، إلا أنّه فيما يبدو، يتعامل في درجة إقصاءه لكافة الأطراف بوتيرة واحدة، ولا نعلم الغد القادم لمصر.. حتى موعد الانتخابات، ما الاضطرار القادم الذي سيحتجّ به المجلس العسكري، لأجل نقل مصر لمرحلة جديدة، مرحلة لطالما ارتسمت ملامحها أحيانا، وهي قبضة “طنطاوي” على مجريات الحياة السياسية المقبلة.
وعودة لنقطة البداية.. كان في الدفع “بالتيارات الدينية” بمختلف ايديولجياتها الفكرية، في المشهد السياسي، إحراجا لهم من جهة، عبر زجّهم لعملية سياسية متعددة الأراء والتكوّنات، ووضعهم أمام مواجهة جديدة يضطرّون من خلالها للتعامل مع واقعية العمل السياسي، انطلاقا من الوضع السياسي العام، ومواجهة لمواقفهم السياسية السابقة، للداخل المصري، وعلاقتهم بكافة الأطراف، وموقفهم من السياسات الخارجية والملفات الساخنة في العلاقات المصرية خاصة فيما يخص إسرائيل. وهو ما حقق “نجاحا” منذ المرّة الأولى، أي وقوع التيار الديني في الفخ! حين اتضح أن كافة الأطراف الدينية، ملتزمة بتعهدات الدولة المصرية مع الجانب الإسرائيلي، وأن الأمور لا تكون كما يتوقعها البعض، ستأخذ منحىً متطرفا مع الجانب الإسرائيلي.
الحالة المصرية، عادة ما ينعكس أثرها على بقية الدول العربية، أكثر من غيرها، بالتالي، ممن الطبيعي أن تتعاون عددا من الدول العربية مع المجلس العسكري حول أمرين: تعتيم المشهد السياسي بعد الثورة بالفوضى وعدم الاستقرار، تغليب وجود التيار الإسلامي “الإخوان والسلفية” في الساحة السياسية، ففي الأولى، طريقة أو رسالة لا مباشرة لبقية شعوب المنطقة العربية معناها: أن لا فائدة من الثورات التي ما جلبت على أهلها إلا الكساد وغياب الأمن، وكذلك، وبطريقة لا مباشرة، وضع الجماهير العربية أمام “التجربة السياسية للتيارات الدينية”، استباقا لدحض شعبيتها، عبر كسر شوكتها من خلال نزع هبيتها في فشلها السياسي. والنقطتين أعلاه، هدفان أساسيان، لاستمرار وجود “التخوف الدائم من التغيير” في بقية الدول العربية، وربما حتى في دول الربيع العربي نفسها، وتأمين عدم تنامي الرغبة في وجود أيّ دور للتيارات الدينية في العمل السياسي.
لذلك أعود وأكرر، أن في تفعيل التواجد الديني في القنوات الفضائية، والصحف اليومية، وإبراز كافة “أثار” التواجد الدينيّ في المشهد المجتمعي والاقتصادي وحتى السياسي، ما هي إلا طريقة لصدمة الناس، وقياس مدى تقبلهم لهذا الوضع، بل، وشغلهم كذلك بقضايا بعيدة عن المطبخ السياسي نفسه، مثلما حدث فعلا، حول تركيز بعض المترشحين في قضايا الحجاب والشواطئ والملاهي. الأمر الذي يدفع بالناس، وبطريقة لا مباشرة أو مباشرة، إلى رفضهم للدولة الدينية، أو، رفضهم لدولة تحت قيادة رجل ينتمي لمؤسسة أو تيّار ديني ما. وهذا الأمر، حتى وإن كان الإخوان، أهل سياسة ويُتوقع منهم الرضوخ أو التماهي مع أيّ مرحلة مقبلة، إلا أنه من الممكن أن يصطدموا لاحقا، بأي تطوّر سياسي حرج، سيضع مصداقيتهم ومهنيتهم في وضع لا يُحسدون عليه، بالتالي، انسحاب بساط الرئاسة عنهم، وذهابها مباشرة، لمرشح النظام السابق، والعسكر كذلك، عمرو موسى.
وبعيدا، عن مسألة التوظيف السياسي لأية قضية، أو في أيّة مرحلة، فإن الانتخابات المصرية، في حالة أن شهدت غياب لمرشحين بارزين مثل : حازم صلاح أبو اسماعيل، وخيرت الشاطر. فإنها ستدخل أمام مرحلة جديدة، لا بد من الحذر في قراءة تداعياتها، أو نتائجها، فوجود محمد مرسي مرشحا للأخوان، ليس بالضرورة أنه سيسهم في ترجيح كفّتهم، طالما أنما هناك مرشح رئاسيّ آخر، وهو عمرو موسى. الذي في حالة فوزه بالرئاسة، بإمكاننا القول حينها، أن الأمور في مصر لم تتغير عمّا كنت عليه قبل 11 فبراير، وأنّ التغيير في الأسماء، لأن النظام القديم في صورة أو جزء منه، لا زال باقٍ.
في غزوة أحد، انهزم المسلمين لأنهم انشغلوا “بجمع” غنائم الحرب، والمعركة لم تنتهي أصلا، فأطبق عليهم المشركون وهزموهم. اليوم، وفي الحالة المصرية، ترك الثوّار ميدانهم، لينشغلوا بحروبهم الصغيرة، في ملاحقة “الغنائم” الوهمية، أو تصفية الحسابات القديمة، أو اتهام طرف ما طرفا آخر، بأسبقيته في تواجده بالميدان، وتركوا الإصلاح السياسي الذي كنا ننتظره منهم، فنتج هذا الخلل السياسي المُربك، الذي وضع الثورة المصرية وأسباب نهوضها، في مهبّ الريح.

في حقّ السلطان…!


لك حق أيها السلطان، أن تمرّ ببلاد الآخرين، فتُزرع الأرض لأجلك، حتى لا يزعجك منظرها.. وتُقام في حضرتك الأفراح.. فسلاطين البلاد والرؤساء، الذين لا يملكون في بلادهم صناعة تتباهى بها أمام الأمم، من الطبيعيّ تماما، أن يكون المال هو السبيل الوحيد إلى التأثير.. فلا فعل سياسي مؤثر لبلادك، غير الوساطات ودور الوسيط.. ولا حضور دوليٌ لبلادك غير غير إسم على خارطة الكرة الأرضية. لك حق، طالما أنّك كالبنك المتنقل، مفتوحة خزائنه على خلق الله جميعا.. إلا أهل بلاده.
لك حق أيها السلطان، أن تنعزل عن شعبك.. وتتصل بغيرهم، وأن تلتقي بنا عبر شاشات ومهرجانات، وأن لا نرى إلا صورك وأن تضحك هنا وهناك، وحين يخرج شعبك ثائرا غاضبا مطالبا بالإصلاح، تتدارى عنهم، وتستمع لألف وسيط ووسيط، من أهل النفاق والمصالح، ثم تمتص غضبهم بإصلاحات شكلية، وتكتفي بالعودة إلى عزلتك… وتغادر أزمتنا إلى مكمنك، دون أن ندري، هل شباب البلاد عماده وأساسه، أم أنه مجرد ديكور يتوزع على سقف سياسيتكم!!
لك حق أيّها السلطان،، أن تُنفق أموال الدولة، على القصائد التي تكتب تمجيدا لكم، وعلى الأغاني التي يطربُ الوطن بها فيكم، وعلى أصحاب الحظوّة المقربين منكم.. وعلى كل من نال من قربكم.. وحين يأتيك شعبك في مداراته لأموره الاقتصادية، تغضّ الطرف عنهم.. ويظهرلنا أهل سياستك وحكومتك، يُظهرون لنا الأرقام، ويُحدوثننا عن معادلات الاقتصاد وأسعار النفط والغاز، وعن مديونية البلاد.. فسبحان الذي وسّع المال والرزق على فئة قليلة قليلة في البلاد من خزائن البلاد.. وضيّقها على الكثير الكثر من أهل البلاد!
لك حق أّيّها السلطان، أن يأتي إليك المواطن، ويقترح على الدولة أن يُعفى المواطنون من رسوم تملّك الأراضي، وأن يطالبوا بتوزيع عادل للأراضي،، فلا تُجيب ولا تستجيب، وتترك أرض البلاد وترابها، ملكية مفتوحة لوزراء دولتك، وأبناء وزراء دولتك، وخاصتهم الخاصة.. ولا يفوز منها المواطن،، إلا بقطعة ذات أمتار ضيّقة.. يدفع حقّها باسم الرسوم.
لك حق أيها السلطان، حينما يقترح عليك شعبك، تأميم نفط البلاد، لما فيه خير للبلاد والعباد، وأنت تستقل برأيك، وتجدد اتفاقية “تسريب نفط البلاد” لشركات من غير البلاد..ويسقط “حلم التنمية” في فخ التبعية، ويتكرر السؤال: من أحق بخيرات البلاد؟؟
لك حق أيّها السلطان، أن تخرج في إجازتك.. تعبر القارات والبلدان، ونسمع عنك الأخبار من نشرات أخبار بلدان آخرين، ويُكتب عنك ومنك وفيك.. عن السلطان الغنيّ جدا.. الذي أتى وفعل كذا.. وبُني له كذا، وفُتح لأجله كذا..بالتأكيد لك حق..
ولكن تذكر.. لطالما قضى على مشوار مليون ميل من الخير والعطاء خطوة غرور وانفراد..
ولطالما سيئة أطاحت بجدران من الحسنات..
ولطالما، كان العقل البشريّ قصير جدا في ذاكرته لا يتعامل إلا بما يرى ولا يصدق غيره
وتذكر.. أن شباب هذه الأمة.. ممن أتوا بعد الـ1970، لا يُنكرون لكم جميل صنعكم، ولكنهم يأبون أن يدفعوا فواتير عصر قبل الــ70، وأن يمشوا خلف أهل سياسة، ليس لهم في السياسةغير المشيخة والمصلحة والاستثمار.. وننسف كل أحلامنا ف وطن يقف الجميع فيه على أرض واحدة متساوية.. وأننا في مطالباتنا لن نيأس، ولن ننكص ولن نتخلى ولن نعجز ولن نترك..
لك حق.. أن تشدّ رحالك.. فما الجميل في بلادك حتى تعسكر فيه، غير السيوح الجافة، التي ما فازت منكم إلا بحظّ المسميات، والمناطق التي رغم جمالها، إلا أن يد “سياحة حكومتك” إما أنها أهملتها، فأصبحت كالمرأة الجميلة التي أهملت عطرها وزينتها ونظافتها.. وإما أنها أدخلت فيها “استثمارا” أرعنا.. فقضى على ملامح الجمال لأجل المال.. فهل بعد ذلك ستحطّ على جمال بلادك؟؟؟؟؟

مستقبل الحريّات في العالم، ونظرية التعدد.


ليس الحرية أن تقول رأيك أو تنشره دون شرط أو قيد، بل الحريّة أنّك في لحظة إبداء رأيك، تجد الرأي الآخر، يُنشر بجانب رأيك، دون مقص أو رقيب. وليست الحريّة، أن تخرج “متظاهراً” بحريّة دون أن تقف في وجهك أيّة قوات أمن أو عسكر، بل الحريّة أن تلتفقت إليك كافّة الأطراف المعنية، وتأخذ المظاهرة ومضمونها موضع التنفيذ، لا الالتفاف عليها بحجة أنهم شباب متحمس!. وليست الحريّة، أن تُتيح كافة الخدمات الرقمية، والإتصالات، وتعمل من جهةٍ أخرى، على ملاحقة الأطراف التي تعترض معك في الرأي، وتصدر القوانين التي تضيق عليهم، بحجة الأمن أو التشهير أو أيّة تهمة.
حينما تجد دولة ما، تُيتح مساحة ما، ضيّقة أو واسعة، من الحريّات، ولكنها، من جهة أخرى، تستهين برأي غيرها، وتجد في كلّ عمل تقوم به، هو عمل نخبويّ، وأي رأي غير رأيّها النخبوي، هو مجرد اجتهاد شعبيّ بحت، لا يستند على أيّة تجربة أو خبرة سياسية، حتى وإن كان هذا الرأي هو رغبة جماهيرية متساوية، وليست طلبات فئوية أو طائفية أو مذهبية، فهي دولة “تدعي” الحريّات، وأنها تمرر ديكتاتوريتها، في أشكال “حريّات” معينة غير مؤثرة على تسلّطها السياسي أبدا، أشكال حريّات لا تتعدى “حرية الدين والمعتقد” والملبس، وحريّة اختيار لون الحياة. بعيدة جدا عن الحقوق، والمشاركة السياسية الفاعلة في القرار السياسي للبلد.
ولعلّ الوعي الجمعي لمختلف فئات الشعب حول أهمية الحريّات الأساسية، التي تُوفر لهم إمكانية المشاركة في القرار السياسي، مع إمكانية رسم سياسات البلد الداخلية، وعي مهم ومطلوب لكافة المراحل، وهو الأساس الذي يخلق نوعا من العافية في الممارسة السياسية للسلطة والمجتمع. ولكن، حينما تصل السلطة إلى مرحلة، ترى فيها أن أيّ مشاركة شعبية، هي تدخل في شؤونها، فهذا يعني، أن هناك أطرافا في المؤسسة الرسمية، أو في السلطة، تتقاطع مصالحها في هذا الأمر، وأنهم، بطريقة أو بأخرى، يسعون إلى إبعاد رأي المجتمع، أو صوته، حتى تُتاح لهم فرصة رسم المشهد السياسي كما يريدون، وحتى يتمكنوا بطريقة أو بأخرى، إلى وضع صورة نمطية ثابتة في ذهن المجتمع، وهو أنه غير جاهز أبدا للقيام بدوره السياسي، وأن هذه الخطوة تسبقها خطوات معقدة، تتطلب جهدا ووقتا، حتى يصلون لمرحلة تُمكنهم من الممارسة السياسية السليمة.
وحين تعمل السلطة، على إشغال الرأي العام، في متفرقات عدة من نمط الحياة اليومية، ويظهرون أمام الرأي العام، عبر إعلامهم أو كافة الوسائل المتاحة للتواصل مع المجتمع، على أنهم قد هيئوا مساحة كافية، لشكاوي الجمهور، وتقبل مقترحاتهم، في عمل المؤسسات الرسمية في البلد، أو في انتقادهم لأداء أي مسؤول أو أيّة مؤسسة، دون عمل هذه السلطة، على إتاحة الفرصة لهذا الشعب، إلى التواجد في المراكز السياسية، التي تتيح له ليس فقط المشاركة في صنع القرار، بل حتى مراقبة أداء الحكومة أو المؤسسة الرسمية، بالتالي، توفير إمكانية إطلاعهم على خبايا عمل السلطة، وهذا بالتأكيد ما تحرص السلطة ذات الطابع الديكتاتوري “الناعم” إلى عدم توفيره لأي شعب أو مجتمع تتحكم فيه.
اليوم، وأمام دولا قطعت شوطا طويلا في التجربة الديمقراطية، وأمام دولا أخرى، لا زالت كما عهدها البشر منذ قرون، على ديكتاتوريتها، تظهر لنا عددا من الممارسات، التي بالتأكيد أصبحت تهدد الحريّات، وتعمل على تكريس العالم، إلى أن يكون “نمطيا” لا يحمل إلا صورة واحدة، ولونا واحدا، وشكلا واحد. عالم لا يحتمل نظرية التشارك والعيش المشترك. فالولايات المتحدة مثلا، المدافع الأول عن “الصهيونية”، لا زالت لليوم تمارس نوعا من القهر السياسي المستمر دوليا، بحجة أمن الدولة الإسرائيلية، وهو ما تمثل لنا اليوم في موقفها من الأزمة السورية، وامتناعها عن “تسليح” الجيش الحر، ليس حُبا في بقاء النظام السوريّ، ولا اعتراضا على التشكيل السياسي للجيش الحر وأطياف المعارضة، وإنما حرصا على سلامة الدولة الإسرائيلية لا غير، وهو الأمر الذي باتت تركيا، وحرصا على مصالحها الاقتصادية العمل جاهدا للتمريره، واكتفاءهم بلعبة إنهاك “القوى” السورية من كافة الطرفين، حتى إذا الوقت الذي يقضي فيه طرفا على آخر، يكون هذا الطرف مستعدا لتلقي أيّة إيدلوجية تشترطها عليه أيّة قوى، خاصة القوى التي ستمده بالمال والبناء والتقنية.وعليه، أصبح أيّ رأي لا يتفق مع السياسة الأمريكية إيّاها، أو الأسلوب التركيّ، هو رأيّ مناهض للحريّة.
كما شكّل ظهور الإسلاميين، وصعودهم في للعمل السياسي، أزمة ما كانت في الحسبان، وهي ازدواجية العمل السياسي، في مواقف ما قبل الثورات وما بعدها، وفي مدى ممارسة السياسة الخارجية لأيّ بلد، وبقاءهم على نفس الأداء لحكوماتهم التي كانت قبل الثورات. أما داخليا، رفض الإسلاميين للنمط العلمانيّ، ورفض العلمانية للنمط الإسلامي، عليه، نشوء حركات فوضوية في أداء العمل السياسي، تتضمن التشكيك الدائم المستمر في نوايا أيّ فئة.
ليس هناك خطر على المجتمعات، كخطر الأنظمة الديكتاتورية الناعمة، الأنظمة التي تمارس سلطتها وتمرر ديكتاتوريتها، محليا أو خارجيا، في صور متعددة، منها الحفاظ على “كيان التعددية” وبالتالي حفظ الأمن لضمان استمرار هذا الكيان وهذا التعايش. أو، الدفاع عن حقوق مجتمعات أخرى باسم الديمقراطية أو الدين.
الديمقراطية السياسية لا تتجزأ ولا تتلون، وحتى إن كان في تطبيقها من دولة لأخرى، يعتمد على التشكيل المجتمعي لهذه الدولة، إلا أنها في طريقة تنفيذها وممارستها لا تختلف أبدا. ويجب فعلا، على أيّ دولة، خلق ليس قناة تواصل مع الشعب، بل توفير الفرصة المناسبة التي تتيح له المشاركة في العمل السياسي، دون أيّ تدخل في طريقة توزيع هذه الفرص عبر تمرير شخصيات موالية مطلقا للسلطة، أو عبر بنود تُعطل من فاعلية هذه المشاركة، والاكتفاء بجعلها مشاركة “إسمية” أو “صورية”. من أجل إظهار هذه السلطة نفسها أمام المجتمعات الأخرى على أنها مطبقة للتفعيل السياسي والعمل الديمقراطي في أداءها.

الحصانة في مجلس الشورى.. ترفُ الدولة أم حاجة الشعب!!


في القضية الأخيرة، والمتعلقة برفع الحصانة عن أعضاء الشورى، كنتُ أودّ أكتب: أيتها الحكومة.. مثلما لك حصانتك لوزراءك.. كذلك الشعب لهم الحق في حصانتهم لممثليهم. لكن، كان المنطق كالعادة يفرض نفسه في آلية التعامل مع الحدث الفارق، لمجلس الشورى.
وقبل أن أُعرج في الحديث عن طلب الإدعاء العام، ورفض الشورى، لا بد من الوقوف على رأس نقطة مهمة، وهي كثرة القضايا، التي مصدرها الحكومة نفسها، قضايا لطالما أشغلت الرأي العام، ولطالما احتلت مسااحات واسعة في الصحف المحلية والفيس بوك والنقاشات والحوارات، المحكمة الفلانية تحكم بالسجن في قضية اختلاس، رمال بوشر، حصانة أعضاء الشورى… إلخ. قضايا، بدأت تُثار هنا وهناك، وبدأ المجتمع في التفاعل معها، والانشغال بها.
أمّا في قضية الحصانة، ما استوقفني كثيرا، هو رغبة الإدعاء العام في ملاحقة “عضوي” الشورى، بحجة تقديم عددا من الشكاوى ضدهما في قضية رشاوى صاحبت الانتخابات. وهذا التوّجه، في أساسه، يُعتبر تصرفا حميدا جدا من قِبل مؤسسة قانونية، آن الأوان أن تكون صوتا للشعب، وممثلة له. خاصة بعد أداءها المحيّر في قضية جريدة الزمن، وتناقض هذا الأداء بين وزير العدل السابق وبين هارون المقيبلي!.
لكن ما استوقفني عدد من النقاط المهمة، التي لا بدّ من ذكرها والحديث حولها، وطرحها، وهي:
- انتخابات الشورى تتبع وزارة الداخلية، فلماذا لم يقم الإدعاء بأي تحرّك قانوني لمساءلة الوزراة حول آلية الانتخاب ومراقبة أداء المرشحين فيها؟
- لماذا لم يُطالب الإدعاء سابقا برفع الحصانة عن وزراء الدولة، الذين رُفعت بحقهم عريضة تم توقيعها من قِبل 7 ألاف مواطن، للتحقيق في أملاكهم قبل وبعد الوزارة.
- لماذا تحرك الإدعاء في هذه الفترة فقط، وبعد مرور ما يقرب من 6 أشهر من انتهاء العمليات الانتخابية لمجلس الشورى، وخاصة بعد الأداء المثير للجدل لعدد من أعضاء المجلس، في اللهجة الحادّة لانتقاد أداء عددا من مؤسسات الدولة.
- لماذا الحصانة يتم رفعها فقط، عن أعضاء الشورى وليس عن أعضاء مجلس الدولة أو وزراءها؟؟ لماذا لا يتقدم الإدعاء بطلب رسميّ، إلى كافة المجالس:الوزراء والدولة والشورى، أنه في حالة وجود أيّة اتهامات أو دعاوى مرفقة بأدلة ثابتة وأكيدة، يتم رفع الحصانة تلقائيا للتحقيق مع “المتهم” دون الحاجة للإدعاء العام في الرجوع إلى المجالس الثلاثة؟؟؟
هذه التساؤلات، ينطوي فيها تصوّار كاملا لأداء الحكومة، ونيّتها المبيتة في الترصد لأي عضو شورى يتجرأ في نقد عمل الحكومة، أو يعمل على تحريض باقي أعضاء المجلس في استجواب وزراء الدولة. وخطوة الإدعاء العام، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك، أن الإدعاء مسيّر في أداءه، وأنه ليس بالضرورة تحركاته باسم القانون، حتى وإن كانت مغلفة به. وأنّ الإدعاء العام، في حاجة ماسّة إلى إصلاح عددا من أولويات العمل المنوطة به، وتغيير عددا من قياداته.
إذا كانت الحكومة، ليس لديها النيّة في محاسبة وزراءها، للأخطاء الفادحة الاقتصادية والسياسية التي افتعلوها، خاصة فيما يتعلق بالرؤية 2020، وقضية “غضفان”، والغاز العماني، غيرها من التجاوزات هنا وهناك في المؤسسات القائمين عليها. والتي لطالما تم تسريب عددا من االوثائق حولها في المنتديات.
لا نستطيع ترك الإدعاء العام، يأخذ حريته في القضاء على أعضاء الشورى، خاصة في هذه المرحلة، ففي ظل انتظارنا لعدد التعديلات التي تنظم من أداء الشورى، وتنظم إجراءات التعامل مع أعضاءه، حتى في مسألة حجب الثقة، وكذلك زيادة جرعة الصلاحيات والتشريعات، لا بد لنا من أن نكون أكثر حذرا في الحفاظ على مؤسسة تمثل الشعب، عبر الحفاظ على أعضاءها الذين استطاعوا للآن تمثيل صوت الشعب.
لا ننكر أن الكثير من الأعضاء، ما همهم الشعب ولا همومه، وأنهم يعملون ليل نهار كمخبر على أداء الأعضاء الآخرين، وأنهم لا يتوانون عن تقديم خدماتهم في إحباط أي أداء جريء للمجلس اتجاه الحكومة، وأنهم من اللاعقين لأحذية مسؤولي الحكومة لأجل الحصول على كرسيّ الوزارة في فترة ما، ولكن، لا بدّ كذلك أن نُركز، أن هناك الكثير من الأعضاء الشرفاء، الذين ما همهم كرسيّ الوزراة أو “مكرمات” ما من السلطان أو الحكومة، تضمن سكوتهم ورضوخهم. وهؤلاء، يحتاجون اليوم للدعم من الشعب، والحذر من أي محاولة للحكومة للتخلص منهم، بطريقة لا مباشرة كما حدث في قضية الرشاوى.
إذا كان الإدعاء العام، يوّد فعلا أن يُمثل القانون، ويُطبقه، كان الأحرى به التوّجه إلى وزارة الداخلية، والتحقيق معها حول أيّ تقصير في أداء الانتخابات، ومساءلتها حول أيّ تقصير بدر منها فترة إجراء الانتخابات، أي الرجوع إلى الأسباب التي أدت للنتيجة ومعالجتها. وليفتح أدراجه حول القضايا التي يتحفظ عليها، والمرفوعة ضد عدد من أصحاب المعالي والسعادة، والمقرونة بأدلة كذلك.

المواطنة ش.. أزمة “كفاءة” أم أزمة “وطن”.


المواطنة ش.. أزمة “كفاءة” أم أزمة “وطن”.

          في قضية المواطنة “ش”.. يصطدم المجتمع المنتمي “لدولة المؤسسات” كما يتشدق مسؤولو الدولة دائما، أن المجتمع لا زال يرضخ لسلطة القبيلة قبل كلّ شيء، وأن محاكمه وفتاويه وإدعاءه العام، عادةً ما يتخلى عن مسؤوليته القانونية، ويكتفي بدور المراقب المنتظر لنتيجة ما، معوّلا على دور القبيلة في إيجاد الحلول!

          المواطنة “ش”، التي تم الاعتداء عليها من قِبل شقيقها، الذي طعنها بأداة حادة، خمسة عشر (15) طعنة في أنحاء متفرقة من جسدها، كادت معها “ش” أن تفارق الحياة نزفاً، لولا إصرار بعض أخوتها وأخواتها، لأخذها إلى المستشفى، وعلاجها قبل فوات الأوان! ولكن الغريب، أنه وبرغم أن المواطنة “ش” قد أبلغت الشرطة أو الجهات المختصة بالحادثة وسبب الاعتداء.. إلا أنّ شقيقها لا زال لليوم، حرا طليقا!!!

          من أين تبدأ الحكاية؟

          الحكاية تبدأ قبل 6 سنوات من الآن، المواطن “م” أحبّ المواطنة “ش”، وطوال هذه الفترة، ظلّ “م” يتقدم لــ “ش”، وأهل “ش” يكررون رفضهم لــ “م”. وبعد 5 سنوات، فيما يبدو، أن قلب الأب حنّ على ابنته ورجاءها المستمر له، وإصرارها على ارتباطها بــ “م”، فوافق مبدئيا، إلا أنّ عمّ “ش” وهو عضو مجلس شورى سابق، تدخل في الأمر، وأجبر الأب على رفض الزواج.

          التجأت المواطنة “ش” بعدها إلى المحكمة العليا، التي تسلست في تناول القضية على جلسات ثلاث بين سبتمبر وأكتوبر 2011، ملخص الجلسات، أن العم ادعى بأن “م” غير كفؤ لــ “ش”، وأنه خادم!. وعلى إثر ذلك وفي الجلسة الثالثة، قرر قضاة المحكمة العليا المضطلعين على القضية، إلى إنهاء الجلسات وإقفال ملف القضية، على أن يتم رفض تزويج “ش” من “م” لعدم كفاءة “م”.!

          لكن، القصة تبدأ بعد ذلك، حيث قام “م” برفع دعوى في الإدعاء العام ضد عم “ش”، لإهانته في نسبه، وحين تمّ طلب العم للتحقيق، طلب هذا الأخير من “ش” أن تشهد زورا لصالحه، على أنه لم يقل من تم إتهامه به من قبل المواطن “م”. ولكن الفتاة، وحين تم وضع المصحف أمامها، لم تستطع إلا نطق الحقيقة.

          مع العلم، أنه وفور حكم المحكمة العليا، بعدم تزويج “ش” من “م”، طلبت “ش” من قضاة المحكمة العليا، حمايتها، ولكن المحكمة سلمتها لأهلها، الذين ضربوها وحبسوها بعد أن سحبوا كافة أوراقها الثبوتية منها. وكذلك، وحين ذهبت لتشهد أمام الإدعاء العام، حول القضية التي رفعها “م” على عمّها، طلبت من الإدعاء العام حمايتها، ولكن، الادعاء العام سلّمها لأهلها، حيث وقع الاعتداء عليها بعد ذلك من قِبل شقيقها، يوم 14 مارس 2012، دون أن يتم اتخاذ أيّ اجراء مع شقيقها.

          بعد هروب “ش” من بيت أهلها، تواصلت مع عدد من الشخصيات القانونية والقضائية، لمساعدتها، ولكن الجميع تنصّل من ذلك، حتى تمكنت من التواصل مع المحامية “بسمة الكيومي” التي بدورها، خاطبت أكثر من جهة، للإطلاع على الموقف القانوني لـــ “ش”، وكان التالي:

-       عبدالله الحراصي، رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، لم يتعاون إعلاميا في القضية، وطلب من بسمة اصطحاب “ش” لمقابلة رئيس الإدعاء العام “حسين الهلالي”. الذي بدوره أنكر وجود أيّ تقصير في قضية المواطنة “ش”.وعرض على بسمة أخذ “ش” لدار إيواء للنساء تحت حراسة الإدعاء العام.

-       أحد قضاة المحكمة العليا الذي كان طرفا في قضية “ش”، وفي مقابلة استمرت 15 دقيقة، استمر في 12 دقيقة يُعطي محاضرة وأسئلة حول الحجاب كون بسمة غيرمحجبة، وبعدها، أنكر معرفته بحادثة الطعن في حق”ِش”، وأن الموضوع لا يختص بالمحكمة العليا.

-       لجنة حقوق الإنسان، بيّن “جهاد الطائي” وجهة نظره أنه لا يؤيد تصرف “ش”، في جرّ أهلها للمحاكم، وأنه لو عرض عليه لرفضه. ولكن اللجنة قامت بعدها بمخاطبة الجهات المختصة لتفعيل القضية.

-       تم مقابلة المفتي سماحة الشيخ أحمد الخليلي، الذي وعد بالتواصل مع قضاة المحكمة العليا، وأهل المواطنة “ش”.

-       تمت مقابلة رئيس مجلس الدولة كذلك.

كل المقابلات أعلاه، وعدوا في النظر في القضية، ولكن إلى الآن، لا زال شقيق المواطنة “ش” حرّا طليقا، وإلى الآن، المواطنة “ش” بلا حماية، ولازالت هاربة.

          إلى أين الطريق؟؟؟

إذا كانت مؤسسات البلد القانونية والقضائية والدينية والإنسانية، عاجزة عن حماية المواطن، في قضايا إنسانية بحتة مثل قضية المواطنة “ش”، في ظل دستور البلاد الذي ينصّ في مادته الــ12 على أنّ  :العدل والمساواة وتـكافـؤ الفرص بين العمانيين دعامات للمجتمع تكـفلها الدولة، غير قادر حتى على الالتزام بنصوص الدستور، فكيف يكون وضع المواطن فيها.

التغيّير في المحتمع، ضرورة حتمية تفرضها متغيّرات الحياة، الوقوف في وجه التغيير، لا يقود بالمجتمع إلا في الدخول في حالة تراجع حقوقيّ بحت، الذي، سيُحتّم على الدولة لاحقا، النظر إلى كافّة المواطنين، الذين يتم التعامل معهم على أنهم من ذوي غير الكفاءة، والتعامل معهم إمّا منحهم أراض خاصة يعيشون فيها بعيدا، عن الذين يرون في أنفسهم أنهم أحسن “خِلقة وخلقا ونسبا وعرقا”، أو أن يتم نفيهم من عُمان، لتكون الحياة فيها لذوي “العرق” الخالص النقيّ المنقى..

ألم يقُل الله في كتابه الكريم: يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

فأين الخلق من كلام الخالق، أم أننا لنا سنتنا الخاصة في الحياة؟

وعن تلفزيونها وإذاعتها وصحافتها


إذا امتلكت “أمةٌ” إعلاما واعيا، يقوم بدور المُصلح الذي يضيء للأمة دروبها في عتمات التجارب والاحتدام والتنافس. كاشفا للخلل في المجتمع وأركانه وهيئته، ناهضاً بصوت المجتمع، ورغباتهم وطموحاتهم، إعلاما.. عبر مرئياته وسمعياته ومقروءاته.. يُساهم في توعية المجتمع وتثقيفه، في: ما له من حقوق وما عليه من واجبات… وينهض بفكر المواطن بما يسمو من مكانته.. لأصبحت شعوب العالم كلها بخير.
ولكن.. حين يتحول إعلام أيّ دولة، إلى بوق يتحدث باسم الدولة، ولا نرى من خلاله غير الدولة، ولا نقرأ فيه إلا عن الدولة.. ويُصبح أداةً للترويج، لبرامج الدولة وتبرير “قوانينها” وخططها ورؤيتها، فلا تبكي على غدك الذي ستكتشف في لحظة ما أنه قد سلب منك، ولا “تحتجّ” على القرار الذي يرسم مصيرك، حينما لا تجد أنّك ساهمت في صنعه ووضعه، لأنّ الإعلام قام بالدور كاملا،، وسخر كل إمكانياته ليكون كالمخدر، الذي ينسيك للحظة الألم.. ولكنه لا يُنهيه.. كالمخدر، الذي يمرر كافّة “الاستفهامات” عبر عقلك، دون أن تُدرك غرابة للأمر ودون أن تطرح سؤالا واحدا حولها.
في عمان.. كان إعلامنا مصابا بمرض “عضال توعوي”، ويلبس نظارة تُخفي عنه كافّة الحقائق التي لا بد له من رؤيتها، ولا يُتقن غير أن يكون مايكروفونا لكل مسؤول حكومي، وألبوم صور وصوت وفيديو، للسلطان في حلّه وترحاله وجولاته وخطاباته.. وكأن المواطن الذي فيه، مجرد مواطن يدعو للسلطان، ويشكر السلطان، ويثني على حكمته ورشادته وسموّ قيّادته.. وإذا ما تم افتتاح مشروع ما، أو الإشارة لإنجاز ما، أو الوقوف على تقرير ما، وجدت عبارة “في عصر النهضة المباركة والقيادة الرشيدة لحضرة صاحب الجلالة” أو ما شابه العبارة أو أو ما اتفق معها في المعنى، حاضرة في كلّ مشهد سياسي، واجتماعي، وصحي وتعليمي وإعلامي و..إلخ.
وكان الإعلام، لا يُمثل في عمله أيّة صلة بالإعلام، هناك التلفزيون والإذاعة والصحافة.. ولكن ليس هناك عمل تلفزيوني يحترم عين المشاهد، ولا برامجا إذاعية تستوعبها أذن المستمع.. ولا لغةً مكتوبة أو مقروءة ترقى بعقل القارئ.. إلا ما أُتيح فيه للناس مسافة للفكاهة والفن.. ومساحة للتحرك عبر ما يجب التحرك فيه. فغاب عمل الإعلام الحقيقي، وظهرت علينا عقولا بمختلف الدرجات الوظيفية، يُقررون ما يجب أن يُرى.. وما يجب أن يُسمع، وما يجب علينا قراءته… وأصبح الموظف في الإعلام.. هو الإعلامي.. وهو المذيع، وهو الممثل، وهو المؤلف، وهو الكاتب.. إلخ.
تغيّرت مسميات الإعلام إثر التحركات الاحتجاجية لفبراير 2011، وإن كان التغيير حدث متأخرا جدا، ولكنه حدث.. وأصبحت هناك هيئة معنية بالتلفزيون والإذاعة، واختزل عمل وزارة الإعلام على الصحافة وحدها. وتغيّرت صفوف القيادة للمؤسستين، وأُدخلت فيها دماء الشباب من الوسط الثقافي والعلمي، في خطوة يٌراد لنا منها أن نفهم وأن ندرك أو نتوقع.. أن هناك تغيّرا قادما.
وما يُراد لنا توقعه.. أخذناه على محمل الجد، واستبشرنا خيرا، وقلنا، أن هناك وجوها ستعمل فعلا على التغيير، وأنّ التلفزيون الذي لطالما تم تغييب المواطن عنه، يظهر باسم المواطن.. وكذلك الإذاعة، وفعلا، تنوّع الطرح، وتنوّعت القضايا، واختلف الرأي.. وبدأنا نراى رأيا ورأيا.. وصوتا وصوتا.. ونشهد المسؤول تُطرح عليه القضايا والمشاكل.. يُبرر ويفسر ويعد بالحل.. كما لم نشهده سابقا من قبل.
ولكن.. وفي خضّم فرحتنا بهذا التوّجه.. انتبهنا لنقطة حسّاسة جدا.. وهي: لا زال الإعلام بكل مكوناته المرئية والسمعية والمقروءة، يروّج للحكومة لاغير.. ولا زال صوتا لها وعونا.. وأنّ في معرض طرحه لقضايا الوطن.. تُطرح المشكلة.. ولا يُطرح السبب في هذه المشكلة. وأنّ الشباب الذي يتدفق على برامج الهيئة الإذاعية والتلفزيونية، يتم امتصاص غضبه بظهور تلفزيوني أو إذاعي.. ثُم كل شيء يعود إلى ما كان عليه..!!!
ولا زلنا عند بوابة “تضافر الجهود” التي يرمي بها المسؤول على طاولة المواطن حينما يتهرب من فشل مشروع ما أو عجز الوزارة التي هو عليها في أداء مهمة ما.. وأن كل تلك النقاشات السااااااخنة التي يتم التطرق إليها في “حوار الشباب” التلفزيوني، أو “هذا الصباح” و “حديث الشباب” الإذاعيين.. وكذلك “مع التحية”، مجرد سوالف “معصّرات”.. النقاش حولها لا يتعدى في حقيقته “حل مشكلة مواطن ما”.. ولكن، ما “الخلل”؟ ومن سبب “الخلل”؟ وكيف حدث “الخلل”؟ ولماذا لا يتم محاسبة مسبب “الخلل”؟ لا زالت أسئلة لا إجابة عليها،، ولا تملك الهيئة بتلفزيونها وإذاعتها إلا العرض والاستعراض.. ثم التوقف!!!!
وكذلك الصحافة.. التي لم تتوانى في طرح قضايا “غريبة” نوعا ما، كقضية الأراضي الأخيرة.. التي لا نعرف “البطل” فيها، ولا أننا نعرف المتسبب في نزيف الأراضي هذه!! وفي الحقيقة، أن الصحافة لا زالت تخلو من عمل “تحقيقي”، وأنها تأخذ ما يأتيها.. أي لا زالت تعمل بمنطق “التعليب” والنشر. فلو أرادت الصحافة، لاستطاعت مثلا الوصول إلى بلاوي توزيع الأراضي وبألاف الكيلومترات على المسؤول الفلاني والمسؤول الفلاني، ولعرفت كيف تصل للسبب، ولعرفت سبب صمت بعض الموظفين في “الإسكان” على هكذا تجاوزات. ولربما لو اشتغلت الصحافة وعملت بمهنية الصحافة، لدخلت إلى المستشفيات مثلا، واكتشفت البلاوي التي تعاني منها مستشفياتنا الحكومية.. في البنيان والأجهزة والطاقم الطبي.. ولاستطاعت الدخول إلى المؤسسات التعليمية، لتقف على هزالة التعليم وتجارة العلم.. ولا ستطاعت أن تتقصى فساد أيّ مؤسسة، وكشف مصدره.. ولكن هذا ما كان ليحدث في يوم.. لأن التغيير المطلوب في هذه المرحلة هو تغيير امتصاص الغضب لا أكثر..!!!
المعركة التي تخوضها المؤسسة الرسمية اليوم، هي سحب كافة أنواع التأييد من تحت أقدام الشباب المطالب بالتغيير والإصلاح والمحاسبة.. وذلك من خلال ظهورها أمام العامّة أنها تسعى للتغيير، وأنها تتعقب الفاسدين الذي يبدوا أن لا أسماء لهم ولا بيانات .. وربما لا وجود من أساسه.. بالتالي إشغال الرأي العام في قضايا تلهيه في منتدياته الإلكترونية وصحفه المحليه والواتس أب والفيس بوك.. وينشغلون هم بإعادة “تطبيق” سياسة الانفراد بالقرار السياسي.. والابتعاد به.
لا زلنا نترقب التغيير الحقيقي لكافة المؤسسات الإعلامية، ولا زلنا ننتظر العمل الجاد.. والصورة الجادة والفكرة الجادة، ولا زلنا نريد جيلا إعلاميا مهنيا احترافيا.. لا مجرد وجوه من الماضي تستجلب لنا لدغدغة مشاعرنا.. ولا مجرد برامج.. في تعددها وكثرتها، إلا أنها لا تتجاوز حقيقة أنها لا تمثل إلا وجهة نظر المؤسسة الرسمية.

اعتذار.. إلى السلطان.. عن حلم وأمل وأمان!!!


عزيزي السلطان قابوس، أو “حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم” كما كنّا نسمعه في الأخبار، ونقرأه أسفل صورتك التي تعقب كل كتاب مدرسي طوال 12 عاما، ونقرأه في الأخبار التي تتداول صورك، وأنت تبتسم أو تلقي خطابا أو تشاهد مهرجانا، عزيزي السلطان، أكتب هذه الرسالة، اعتذارا، لا على ما بدَر منّا من سوء تصرف، بل على ما تلمسناه منك من صمت وتخلّي.
فنحن جيل لا ننسى لك فضل عمان، نقلها من ما قبل 1970 إلى ما بعد ذلك، ولكنه جيل لم ينشأ على ما هو أسوأ ليدرك “فضل” ما هو أحسن، جيل ليست مهمته أن “يتوقف” عن المضيّ قدما لحفظ منجزات سرعان ما ستنقلب وبالا على جيل لن يرث إلا “مظهراً” برّاقا، لا يحتوي إلا أسماءً لمنجزات لم تكتمل، ووعود بصورة لدولة للآن ما تعدّت حاجز “الدول النامية”، ولا استطاعت التخلص من وحل الدول المتخلفة.
42 عاما، من عمر بلد، شعبه للآن يلبس ما لا تنسجه يديه، ويأكل مما لا تزرعه أرضه، ويركب ما لا تصنعه جامعته اليتيمة أو كلياته المنتشرة..
42 عاما، يكتشف فيها المواطن، أن “رصاصة” لجيش البلاد وأمنه وشرطته، أغلى منه، رصاصة يتم تطويرها كل عام، وتغييرها كل عام، لدرجة أصبحت فيها البلاد أحد أكثر البلدان “تسلحا” في العالم، في حين أن تنمية المواطن، لا تزيد عن شهادة في التعليم العام، وإن رزقه الله أكثر.. كانت شهادة جامعية.. رصاصة، دارت بها الدوائر لتسكن مرة في جسد شاب خرج يبحث عن عمل له، فانتقل إلى رحمة ربه بهذه الرصاصة يوم 26 فبراير، لتفعل الرصاصة فعلتها مجددا يوم الـ2 من إبريل في جسد شاب آخر خرج محتجا على حرمات الناس التي انتهكها أمن البلاد في ليلة سبقتها.
42 عاما، يتم وضع الذي خرج محتجا ومتظاهرا خلف السجون لتهمة “حرق ممتلكات”، في حين الذي أضاع وأسرف وأنفق ثروات البلد في غير موضعها، بالمليارات، يسرحون ويمرحون، وكأنهم ما من ذنب ارتكبوه، ولا من خطأ فعلوه.
42 عاما، وخطط البلد “الاقتصادية” لا أرضا قطعت.. ولا طابوقة وضعت، ولانافذة فتحت، ولا بابا أوصدت أو غيّرت!!
نعتذر إليك يا عزيزي السلطان، فشباب هذا الجيل، تعلّم أنّ في السكوت تنازل عن حق، وفي الوقوف متفرجا على مستقبله وهو يضيع من بين يديه دون أن يسهم فيه أو في صنعه، سلبية لا تنتج إلأ عن ضياع وطن بأكمله في يد من يعتقدون أنهم وحدهم من يستطيعون صناعة سياسة البلد.
نعتذر إليك.. فنشرات الأخبار التي تبتدأ بك.. ما عدنا ننتظرها، ومراسيمكم ما عادت على قدر تطلعنا، وبلاد لا يُرفع فيها حجرا أو يُوضع، إلا بأمركم، ما عادت سياستها تتناسب وتطلعاتنا.. وفي الشر “القليل” الذي لا ندركه أفضل من الخير الكثير الذي أمامنا، طالما ذلك الشر يحمل لنا قرارا وقدرة على التغيير.
نعتذر إليك أيّها السلطان، فالصور التي كنّا نفتتح بها “تصفحنا” لكل مقرر دراسي طوال ال12 عاما، خلّدتك في الذاكرة صورة لا أكثر.. صورة ما تعدت الإسم المعنون بها، فأيّ أب هذا الذي لا يستمع لأبناءه الذين خرجوا مطالبين بوطن..؟؟ وأي أبناء أولئك الذين يستمرون في طاعة أب لا يدري عن وجودهم؟؟؟!!!!
الطريق الذي نحن فيه، ماضون فيه لنهايته، لربما “عسكرك” سيكسر عصيّه على أجسادنا، ويُطلق رصاصه على أحلامنا.. ولكن بعزيمة “لاتموت”…!
الطريق الذي نحن فيه، سنقطعه لآخره، فلربما أمنك سيسجننا.. ويرمي بنا خلف القضبان.. وربما سيبحث ف أخطاءنا ويصوّرنا أما الناس أنا سفلة ملحدون بنا كل عيوب الدنيا التي تحرمنا الآخرة.. ولكن، الحقوق “لا دين” لها ولا “لغة” ولا “وطن”، ذلك أن الإنسان أثمن من كلّ شيء.
نعتذر إليك أيّها السلطان.. ولكن الدولة التي قامت في 1970.. نريدها وطنا للجميع، ودولة يتساوى فيها الناس كأسنان المشط، لا فضل فيها لقبيلة على أخرى، ولا لنسب على نسب، دولة تُعاقب المسؤول إذا أخطأ، وتؤمن بالمواطن وتدفع به.. لا مزرعة “يتهاتف” عليها كل ذي “مصلحة” يحميه قربا منكم، أو من مسؤولي دولتكم.

نهضتهم.. ونهضتنا : أي علوّ وصلوه.. وأيّ انتظارٍ ما انتهيناه!


في عام 1981، كانت ماليزيا، كأي دولة آسيوية، خارجة توّها من احتلال طويل، دولة تعتمد في دخلها على الزراعة، وتتكون ملامحها البشرية مزيج متعدد من الأعراق كالملايوية والصينية والهندية والبوميبوترا، والعديد من الأديان مسلمين ومسيحين وهندوس وبوذيين..إلخ. إلا أنّ هذا المصدر الزراعيّ البسيط، والتوع العرقي العظيم، والتعدد “الديانيّ” المعقّد، لم يمنع من أن تكون ماليزيا، أحد أهم الدول العالمية قاطبة، وأكثر الدول الآسيوية نموّا وتطوراً!!
في عام 1999، وبعد أن أكمل مهاتير محمد- أكثر شخص قضى في فترة رئاسة الحكومة الماليزية (22 عاما)- 19 عاما على حكمه، كان لا بُدّ للوقوف على إنجازات التحوّل الاقتصادي الكبير الذي شهدته ماليزيا، والنظر وبأعجوبة لهذه التجربة، التي خرجت من “الكساد الاقتصادي” في التسعينيات، وهي معافاة، رغم أنها لم تستمع لنصائح “البنك الدولي” واتبعت خطتها الخاصة. فكان أن وجدنا التالي:
- تحول مصدر الدخل من 5 مليار سنويا قبل 1981، إلى 520 مليار حتى 1999.
- أصبحت ماليزيا أحد أكثر الدول الآسيوية تصنيعا للأجهزة الكهربائية والتقنية، والأثاث. وغيرها من الصناعات المعتمدة على مستخرجات النفط.
- تمتلك أحد أكبر مصانع السيارات في آسيا.
- انخفضت نسبة الفقر من 52% من الشعب قبل 1981، إلى 5% في 2002.
- ارتفع دخل الفرد من 1247 دولار قبل 1980، إلى 8862 دولار.
- انخفضت نسبة البطالة إلى 3% في 2002.
هل النتائج أعلاه مجرد “تلميع” رقميع وتضخيم ؟؟
بالطبع لا، فدولة تحولت من دولة زراعية تعتمد على إنتاج وتصدير المواد الأولية إلى دولة صناعية متقدمة يساهم قطاعي الصناعة والخدمات فيها بنحو 90% من الناتج المحلي الاجمالي، وتبلغ نسبة صادرات السلع المصنعة 85% من اجمالي الصادرات، وتنتج 80% من السيارات التي تسير في الشوارع الماليزية، من الطبيعيّ جدا، أن تكون دولة صناعية كبرى، ومن الطبيعي جدا أن تبلغ هذه الأرقام بكل يسر.
ناهيك، عن التجربة السياحية، التي أبهرت العالم، والتي صُنفت كأحد أفضل التجارب قاطبة، لما تضمنته من تأهيل لكافة المرافق الحيوية، وإنشاءات تخللت البنية التحتية، وتطوير للمناطق السياحية وتأهيلها.
فما الذي اختلفت فيه ماليزيا عنّا، فحصدت إنجازاتها: صناعة ابتكار نهضة علم. وما مشوار المليون ميل، الذي بدأوه في 1981 خطوةً.. ويعيشوه اليوم إنجازا..؟؟ ولماذا ال28 مليون نسمة، والأعراق المتعددة، والديانات العديدة، واختلاف اللغات والهويات والمرجعيات التاريخية، لم تُشكل لهم عائقا للتقدم؟ ولماذا، مصدر الدخل “الزراعي” لم يكن في يوم ما حجة لهم للتوقف والتخلف؟؟ وما الذي أجادوه ليكونوا أحد “مزارات” العلم التي يقصدها العديد من طلاب العرب وآسيا وأفريقيا؟؟
فما هي لغة الأرقام، التي من الممكن أن نقف عليها اليوم، إذا ما أردنا نحلل ونقارن ونقيس، في الحالة العمانية، كنا 1970، 2 مليون نسمة، واليوم لا زلنا 2 مليون، ديانتنا الإسلام، مع تنوع مذهبي عاديّ، دولة لديها ما لا تمتلكه ماليزيا، وهو النفط. ودولة تمتلك ما تمتلكه ماليزيا، وهو التاريخ!. فأين كنّا منذ 1970؟ ولماذا جلّ ما نتحدث عنه من منجزات “جامعة واحدة”؟ ولماذا اذا خرج أحد ينتقد، قيل بأنه “ناكر معروف”؟
فما هي الصناعات العمانية المتنوعة التي تنافس بها السوق العالمية اليوم؟
وما هو ترتيب الجامعة الوحيدة لدينا في مصاف الدول العالمية؟
وما هي درجة “الجودة الصحية العلاجية” إثر الهجرات المتتالية للعلاج في بلدان العالم؟
وما هي الخطة السياحية الخارقة، التي أبهرنا بها العالم؟
ماذا فعلنا بنفطنا وغازنا في سبيل بناء الدولة والإنسان؟
42 عاما، ليست مجرد رقم عاديّ، بل رقم يُثير العديد من التساؤلات، رقم يضعنا أمام الحقيقة المرّة، وهي:
- ليس هناك ما يمكن تسميته إنجازا.
- الأمان الذي نتغنى به، في ظل غياب الحياة الديمقراطية الحقيقية، والتفعل السياسي للمجتمع، هو مجرد وهم.
- كثرة “الفاسدين” في العمل المؤسسي للدولة أحد أبرز المعالم.
- غياب خطة العمل الواضحة، وغياب مراقبة أداء العمل، وغياب ترصد الإنجازات، وتحليل أيّ عمل سياسي، أو اقتصادي، دليل على “مزاجية” العمل المؤسسي.
فمن أراد لنا أن نكون حيث نحن، نستبدل بدل الحمار سيارة، وبدل بيوت السعف والنخيل والطين ببيوت الطين، وبدل “الملهابة” أجهزة تكييف.. وأن لا نسهم في صنع حياتنا وتطوير قدراتنا؟
في ماليزيا، تجد أثار النهضة أينما ذهبت، فليست كوالالمبور العاصمة الإقليمية، أو بتروجايا مقر المؤسسات الحكومية، هي من يقيس مدى تطوّر النهضة، بل حتى مدنا أخرى عديدة وكثيرة.. جنتنج ولنكاوي وبنانج و كاميرون…إلخ، تتخللها مظاهر النهضة، وعافيتها. فلماذا نحن النهضة لا تتعدى حدود مسقط، وفي مسقط لا تتجاوز عددا من الشوارع والمباني والحدائق العامة؟؟
أين الخلل؟؟ ولماذا وصلوا فيما عجزنا عن بلوغه؟؟
ما الذي فعلوه ليتقدموا.. وما الذي لم نفعله لنقف حيث نحن؟؟

القمة العربية الجديدة.. أم العرب الجُدد؟


الأُمة إذا تفرّق “جمعها”، ضعُف قرارها. ويُصبح أي عمل تحت أيّ عنوان، قليل الفائدة، إن لم تنعدم، ما عدا فيما يتعلق بأمور الاقتصاد والتجارة، والتي عادة يتم تفعيلها بجودة نادرا ما نعهدها في العمل السياسي العربيّ، لارتباط المصالح الاقتصادية هذه بالحُكّام أنفسهم من جهة، ولأنها تمثل عوائد ضريبية جيدة للدولة من جهة أخرى، لذلك تجد الاهتمام بها لافتا للنظر عادة. وعادة، ما يكون لدى هذه الأمة الضعيفة القرار، اهتماما “متدني جدا” بالإنسان. وعادة، ما تكون الأحداث هي من يُسيّرها، وليست هي من يخلق الحدث ويُنظمه. لذلك من الطبيعي أن يكون أيّ قرار ناتجا عنها، قراراً مخيبا للآمال!.
ولعلّ الملف “السوريّ” الذي في فترة ما، جعلنا نعتقد، أن العرب؛ ثلثهم أو نصفهم أو كلّهم، لربما يتفقون، غباءً أو تسرعا أو اعتباطا، إلا أنهم ذاهبون إلى اتفاق ما، وتكالبت كافة الأطراف واتفقت، واجتمعت ظروفا سابقة بأخرى لاحقة، تصفية الحسابات بالمظاهرات والاحتجاجات، حتى وصلنا يقينا، أن العرب فعلا ذاهبون إلى حرب ما، وأنهم فعلا استطاعوا تدويل “القضية السورية”، وأنها لحظات قليلة جدا، وسنشهد قنبلة جديدة، ستنفجر في سوريّا، وأن بلاد الشام، ذاهبة إلى اقتتال طائفي مذهبيّ، ونسينا جميعنا، سواءً المؤيدين لسقوط بشّار، أو الرافضين للحل العسكريّ مع الحل السياسي، أن أيّ تحرك يقوده العرب، ما هو إلا كــ “حراك العرائس” الذي يختبئ فيه صاحب الصوت والحركة الحقيقي تحت الخشبة أو خلفها، ويُظهر “أراجوزا” ليُعبّر عنه ويفعل، ما لا يستطيع هو فعله!
ورغم أن القمة قامت أعمالها بغياب “بشّار الأسد”، الذي لا أشك في لحظة، أن هذا الغياب تمّ “الاتفاق” عليه مسبقا مراعاة لمشاعر الجمهور العربيّ الرافض له، إلا أنها خرجت بتوصيات ثبتت من أركان حكمه نوعا ما، فأن تتبنى القمة مصطلحات مثل “أكد بيان القمة على موقف القادة العرب الثابت في الحفاظ على وحدة سورية واستقرارها وسلامتها الاقليمية وتجنيبها اي تدخل عسكري”، يعني تخلي بعضا من العرب الذين كانوا ذاهبين وبحماسة “الصعلكة” السياسية إلى تسليح “الجيش السوري الحر، عن التسليح العسكري. أي بمعنى أكثر قسوة: التخلي عن كل الثوّار والمتظاهرين.
وأن يشمل البيان كذلك : “ودعا القادة العرب المعارضة السورية بكافة أطيافها لتوحيد صفوفها وإعداد مرئياتها من أجل الدخول في حوار جدي، يقود إلى تحقيق الحياة الديمقراطية التي يطالب بها الشعب السوري”، يعني أن هناك إيمان صرف من قِبل القمة وقادتها، أن هناك نوع من التخلخل في صفوف المعارضة في الخارج والداخل السوري، وأن الإتفاق بينهم يشوبه نوعا من القلق، والارتباك. وهو الأمر الذي لطالما أنكرته عددا من الدول العربية، وكانت ذاهبة إلى إقناع الرأي العام الدولي، للمواجهة العسكرية لتكرار التجربة الليبية.
ناهيك عن النقاط الأربع التي ارتكز عليها الرئيس التونسي – يُحسب على اليسار العربي وأنه ابناً شرعيا للربيع العربي- لحل الأزمة السورية والتي حصرها في: “رفض التدخل العسكري ورفض تسليح المعارضة وتكثيف الضغوط السياسية والعمل على دعم الحكومة الانتقالية من خلال ارسال قوة سلام عربية مستقلة تمنع المخاوف من بروز العنف الطائفي”، وإن كنّا علمنا عن النقطتين الأوليتين في مؤتمر أصدقاء سوريّة في تونس، إلا أننا لو أمعنّا النظر في الثالثة والرابعة، لوجدنا أنّه حلّ أقرب للسذاجة السياسية نوعا ما، ذلك، وأن الأزمة السورية في أوجها وفي أوج المواجهة، وحين كان الجيش الحر يسيطر على عددا من المناطق، لم ينجح الضغط الدوليّ، أما العنف الطائفي، فليست العبرة في منعه “المؤقت”، بل في نزع شوكته، وعدم تكرار تجربة “لبنان” التي أصبحت فوق صفيح ساخ قابل لاشتعال في أيّة لحظة حسب المعطيات الخارجية المحيطة بها، كالوضع السوريّ مثلا.
فهل بعد كل ذلك “التوتر السياسي” نوعا ما، الذي رافق الاحتجاجات والمظاهرات للثوّار السوريين، وطريقة النظام السوريّ في التعامل معها، هل كنّا نتوقع توصيات القمة أن تخرج بهكذا شكل!
منذ البداية، كان الكثير من المحللين السياسيين، والسياسيين، عربا وغربا، ينصحون إلى معالجة الوضع في سوريا سياسيا، وأن الثورة في شكلها الذي هي عليه، لا ترقى إلى أن تكون “ثورة” شعب، ليس لأن الداعيين للتغيير عادة يكونوا قلة، بل لأنّ أكبر مدينتين سوريتين “دمشق” و “حلب” لم تشهدا الوضع الثوري نفسه الذي في حمص وحماة، ولأنّ بعض الدول العربية، ومعهم أمريكا، استغلت الوضع لتصفية حساباتها مع النظام السوريّ، وإلى إشعال فتيل “المواجهة المذهبية والطائفية” عبر الفتاوي والدعم “المبتور” كذلك.
القضية السورية لم تنتهي، وتوصيات قمة “بغداد” بشأنها، لا تُقدم في الأمر شيئا ولا تُؤخر، ولا أنها تمثل نهايةً لموقف عربيّ كان، أو بداية لتراجع ما، وفعلا إن كان في الحل العسكريّ، نوعا من المغامرة “اللامحسوبة” العواقب، التي عادة ما تحدث في ظل وجود نظام يحتفظ بمؤسسة عسكرية قويّة ومنظمة، لم تؤثر عليها انسحابات ألافٌ من جنودها وضباطها، وأنها فيما يبدو، تعمل بمنطق المواجهة الحذر، فإلى جانب تأمين النظام ورجالاته، والمواجهة العسكرية الدامية مع الجيش السوري الحرّ، تحتفظ بجيش لا بأس به عددا وعتادا، لأية مواجهة عسكرية محتملة ذات أيّ طابع.
ما يجب أن نخلص له من نتيجة، أن عامل “الوقت”، الذي لطالما اعتمدت عليه أمريكا وعددا من الدول العربية، إلى اختلال النظام السوري، ونشوء عددا من الانسحابات في صفوف النظام من وزراء ومقربين، لم يُعطي نتيجته، ولا بدّ أن نعترف، أن النظام نجح فعلا إلى توظيف أمنه وقياداته العسكرية والسياسية والدينية كذلك إلى ضمان بقاء سلطته للآن. وإلى تغيير نكهة المواجهة، من طبيعة الثورة، وأنها ليست سوى مطالب مواطنيين سوريين بالتغيير، إلى أزمة طائفية ومذهبية، يتخللها أفعالا إرهابية!!!.
الحلول أيّا كانت، سياسية أو عسكرية، إذا تخللتها العاطفة، وقادتها المصلحة، من الطبيعيّ أن يمون نتيجتها الفشل غالبا، وإن تم النجاح لها، فهو نجاح ظاهريّ وقصير المدى، لأنها حلول قائمة على نظرة الزوايا المتناقضة، وقراءة الأوضاع من نصوص مبتورة وقاصرة، وهذا يعود دائما إلى غياب الواقعية في التعامل مع الأزمات من جهة، وإلى عدم وجود “الحرفنة” في العمل السياسي.

المثقف، والسياسة.


أسوأ السياسة، هو أحسنها، وهي ما خالط عملها وتنظيمها، المثقفين! فبين النظرة المستقبلية لأية عملية سياسية، ووضع كافة التطورات المتوقعة لها، وتخطيط أية مرحلة تنفيذية لها. وبين التداخلات “المزاجية” والنظرة “الفوقية” التي عادة ما يتسم بها فريق من المثقفين، الذين يعمدون إلى حصر أية عملية سياسية بهم، وكأن ملامح أيّ مشهد سياسي، لا تتكمل صورته إلا بهم، وبأفكارهم. وهذا ما يتسبب في جزئية ما في العمل السياسي، إلا أن عدم نجاح الكثير من العمليات السياسية، بسبب اقتصار العمل فيها على الجوانب النظرية، وغياب الوعي الواقعي لهذه النظريات، أو سوء تنفيذها وتطبيقها على أرض الواقع، وما يصحب ذلك من إقصاء لعدة أطراف في العملية السياسية، وانفرادية في القرار.
وحين أيّ عمل مناهض أو موافق، لعمل أيّ مؤسسة رسمية حاكمة في أي بلد، كيفما كان لون هذه المؤسسة ملكية أو جمهورية، عادة ما يتصدر المثقف هذا العمل، ولعل الوعي السياسي التاريخي، والمجتمعي، من الجانب المعرفي، والتي يكتسبها عادة المثقف من خلال اطلاّعه الواسع، ولكن ليس من خلال التجربة! ولعل أهم التحديات التي يواجهها انخراط أيّ مثقف في العملية السياسية، اليوم وسابقا، هي مجموعة التناقضات التي حتويها العملية السياسية عادة، وعدم إمكانية توافق النظرية مع الواقع. فالتجارب التي عادة ما يُكتب لها النجاح في بلد، ليست بالضرورة قابلة للتطبيق الكامل، أو حتى الجزئي في بلد آخر.
ولعل في تجارب “الاشتراكية” و “الشيوعية” أحد أكثر التجارب التي أثبتت فشلها في الواقع السياسي العربيّ خاصة، ولا ندري، هل سبب هذا الفشل نابع من عدم تواءم الفكرة مع طبيعة المجتمع العربيّ، أم أنّ قصور التطبيق، واستقلالية القرار في المشهد السياسي، وتنفيذ عددا من الخطط والأعمال، رغم أهميتها للمواطن العربيّ، إلا أنها ليست بالضرورة تُمثل له أهمية كانت، وفي الحقيقة، إلى الآن في الوطن العربيّ، نفتقد إلى التجربة السياسية الناضجة لأي من الإيديولجيات السياسية، فليس العبرة في وجود نظام متشبه “بالشيوعية” مثلا، أو قائمة فكرته على أساس ديني مذهبيّ بحت، بقدر قدرة هذا النظام على الاستمرارية، وهذه الاستمرارية عادة لا تتحقق، إلا من خلال اقتناع كافة الأطراف أو أغلبيتها بطبيعته وشكله وهيئته، بحيث، أنه حتى لو وُجدت المعارضة، لا يكون وجودها اعتراضاً على طبيعة النظام، بل على عمله لا أكثر، حسب سياسة الأحزاب والفَرق لك كيان سياسي.
المثقف، دائما ما يسقط في فخ “النرجسية”، ففي اللحظة التي لا تعترف فيها السياسة عادة إلا بأحد أمرين: مدى إدراك المُمارس لها لأهمية اتقانه لقذاراتها، ومدى تواءم كافة تحركاته وتوجهاته مع نبض الشارع الذي يُكسبها شرعيتها. ففي الأولى، يتضح أن العملية السياسية ليست مجرد نظريات تبحث عن تطبيق، بغض النظر عن مدى قابليتها للتطبيق أو لا، بل هي مجموعة محددة من الاتجاهات الفكرية، والممارسات، في الشأن الداخلي والخارجي كذلك، أي بمعنى آخر، شاء المُمارس لها أم أبى، اصطفاف معيّن، لا بد أن ينخرط فيه، اصطفاف يُحدد وجهة العمل السياسي، وإلى أي المعسكرات الدولية ينتمي، وهو ما نراه اليوم فعلا يتمثل إلى غياب ما يُعرف “الحيادية وعدم الانحياز”. فكونك تنتمي إلى أرض ما في بلاد ما، أو قريب من دولة ما، أو تخضع منطقة النفوذ التي دولتك فيها، إلى سياسة دولة كُبرى، أو منظومة دوَل؛ فهذا يعني أنك تنتمي إليها بشكل أو بآخر. وأن أيّ قرار داخلي أو خارجي، يكون شكلا من أشكال هذا “الاصطفاف”. ولذلك، تجد عددا من الدول، تُثير عددا من القضايا في مجالات متنوعة، مثل الديمقراطية أو المذهبية أو الطائفية، ولكن، تستغرب لعلاقاتها بالدول الأخرى، التي عادة ما تكون مرتبطة بدول دكتاتورية، أو إمبريالية.. إلخ. وكذلك، وعادة ما يكون لهذا المثقف توجها معينا، قوميا مثلا أو غير ذلك، فيكون في مرحلة اصطدام في ممارسة عمله السياسي، منتصرا لفكرته، أو في مرحلة ذوبان في مصلحة بلده “العليا”، بالتالي التخلي عمّا كان يُؤمن به من مبادئ وثوابت!!!
أما الأمر الآخر، وهو مدى تواءم هذا العمل السياسي مع نبض الشارع، المُمثل له، والذي من المُفترض أنه يُشكل الشرعية له. نجد أنّ المثقف عادة، ما يتناسى أن الشعب مجموعة أو أغلبية من الناس، لا تهتم بمنظومة القوانين وآلية تفعيلها، بقدر اهتمامها بمدى الفائدة “العاجلة” المُنتظرة من هذا النظام، أي مدى تحقيق النظام للاستقرار الاقتصادي، بتفاوت الطبقات طبعا، لهؤلاء الناس. فالبسيط، يكتفي بما يُوفر له الأمان في قوت يومه، وأصحاب الثروات ما يُحقق لهم استمرار توسعهم وعدم تضييق الخناق عليهم. وفي كلا الحالتين، وفي حالة وجودهما فعلا، لا تجد هذا الشارع مهتما عادة بالنظريات السياسية الأخرى! وهو الواقع الذي رغم فجاعته، إلا أنه يُشكل حال الكثير من الشعوب خاصة العربية. وهو الذي يُشكل كذلك أحد أكبر التحديات التي يواجهها المثقف في العمل السياسي، المناهض أو المُوالي.
فمن الذي يُلفت نظر الناس إلى الخطأ في أيّ عمل سياسي؟
من الذي يُوجّه الناس لنوعية الاحتجاج حول المطالب والحقوق؟
أليس عادة ما يتصدى المثقف لهذا العمل؟ بلى، ولكن الكثير من التجارب اليوم، تُثبت لنا، أنه حالما يتم الانتقال من المرحلة الأولى، والتي تتمحور في المطالبة بالحقوق، فإن أوّل الخارجين من المشهد التالي، هم المثقفين، وذلك، لغياب الحاجة إلى وجودهم كما يتصور بعض الناس، وإلى اتهامهم بعدها بأنهم لا يهتمون عادة إلا على بما يُساعد على ظهورهم على حساب مطالبهم واحتياجاتهم.
لا أستطيع الجزم إلى عدم أهمية وجود / غياب المثقف من أيّ عملية سياسية، أو تحول سياسي. ولكن، يبقى التنظير، مهما كانت النظريات قابلة للقياس والتطبيق بعدها، أو عدم ذلك، من أهم المراحل الأولية لأية عملية سياسية، ولكن، هذا لا يعني بالضرورة أن يكون أصحاب النظرية هم قادتها، فالعمل السياسي الحقيقي، هو ما يعتمد على الكفاءات، والكفاءة هنا لا تعني بالضرورة الانتماء لفصيل سياسي ما دون غيره، بل مدى إجادة القائم على العمل، في تنفيذ مصالح الناس، بكفاءة وقدرة عالية.

« Older entries

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 214 other followers